وانت بحضر شنطتي

بقالي سنتين بحوش قرش على قرش، وأوفر من مصاريف البيت، علشان لحظة واحدة بس.. لحظة ما أقف قدام الكعبة وأدعي ربنا. سنتين وأنا بحلم باليوم ده، ولما الفلوس كملت، كنت حاسة إني طايرة من الفرحة، مش مصدقة إن الحلم خلاص بيتحقق ورايحة أنا وجوزي نعمل عمرة.
كنت برتب الشنطة بلهفة وطاقة غير طبيعية، رغم إن السفر لسه فاضل عليه وقت، بس الخوف لتضيع مني حاجة أو أنسى حاجة من كتر فرحتي كان مخلي أيدي مش بتبطل حركة.
أنا سحر.. عايشة في شقة ببيت عيلة جوزي. حمايا الله يرحمه متوفي، وشقتي فوق شقة حماتي اللي عايشة فيها هي وبنتها.
من يوم ما دخلت البيت ده، وأنا بعاني من التدخل في كل كبيرة وصغيرة. حياتنا كلها كانت على مزاجهم وعلى هواهم. لو نزلت اشتريت طقم لابني، ألاقيهم واقفينلي على الباب: “إيه ده؟ الطقم ده مش حلو، غالي على فاضي، انزلي رجعيه واحنا هنجبله واحد كويس”. وحتى أكلنا، وشربنا، ولبسنا، كان لازم يتعدل عليه.
كنت ببلع وأسكت علشان مركب حياتي تمشي، وكان كل أملي في الدنيا هي زيارة بيت الله والرحلة اللي اهرب بيها من الضغط ده كله، بس مفيش فرحه بتكمل ابدا برضه بسببهم.
جوزي كان نازل ياخد الأوراق والفلوس ويروح لشركة الطيران علشان يقدم ويحجز. وهو نازل على السلم، قابلته أمه، وسألته باستغراب: “على فين يا إبراهيم؟”.
رد عليها وضحكته مالية وشها، بكل حسن نية: “رايح أقعد مع الشركة ونحجز أنا وسحر رحلة العمرة يا أمي، الفلوس كملت خلاص!”.
حماتي بصتله بذهول وصدمة: “تاخد مراتك وتعمل عمرة؟! وسايب أمك هنا؟!”.
إبراهيم اتفاجئ ورد بحيرة: “يا أمي ما أنتِ ربنا كتبهالك ورحتي الحجة الكبيرة مع أبويا الله يرحمه من كام سنة!”.
هنا حماتي وشها اتغير وقالت: “يبقى خلاص! تاخد أختك المسكينة دي معاك! أختك جوزها غدر بيها ورماها، وأنت تاخد مراتك وتتفسحوا وتسيبها محروقة وما تسألش فيها؟! هي أختك مش من حقها تشم نفسها وتروح تزور النبي؟!”.
إبراهيم اتلجلج وبص للأرض بحرج: “يا أمي بس الفلوس اللي حوشناها أنا وسحر بالعافية يدوب تكفي فردين بالعافية، مش هتكفينا إحنا التلاتة خالص!”.
حماتي ردت بصوت قاطع وما يقبلش النقاش: “يبقى خلاص! أختك هي اللي أولى بالطلعة دي، والمحروسة مراتك تستنى للمرة الجاية لما ربنا يفرجها عليكم.. أختك كسرها كبير ولازم تطيب خاطرها!”.
كل ده وأنا فوق في الشقة بجهز في شنطتي ومش دريانه بحاجه.
بعد دقائق، دخل إبراهيم الشقة وشايل الهم فوق كتافه، ووشه أصفر زي الليمونة.
بصيتله باستغراب وقلتله بابتسامة: “إيه يا إبراهيم؟ رجعت بسرعة ليه؟ نسيت حاجة من الأوراق ولا إيه؟”.
وقف قدامي ومش عارف يودي وشه مني فين، ينطق الكلمة بالعافية ويرجع يبلعها، لحد ما قال بصوت واطي: “أمي.. أمي بتقول ان أختي تطلع معايا الرحلة دي..”.
برقتله بذهول وقلتله: “تطلع معاك إزاي؟ أنت مش قايل إن الفلوس اللي حوشناها سنتين يدوب تكفي فردين بالعافية؟!”.
فرك إيده ببعض وقالي بنبرة كلها رجاء وخجل: “ما هو.. هي قالت إن أختي ظروفها النفسية صعبة وأولى بالطلعة دي.. وقالتي معلش يا سحر.. خليكي أنتِ للمرة الجاية..”.
في اللحظة دي، الهدوم اللي كنت بطبقها وبحطها في الشنطة وقعت من إيدي على الأرض. والدنيا لفت بيّ، سنتين حرمان، سنتين بتنازل عن كل حقوقي، علشان في الآخر أسمع كلمة “خليكي أنتِ للمرة الجاية”؟!
سكتّ.. سكتّ دقايق طويلة جداً. كنت بحاول أتنفس، بحاول أستوعب حجم الظلم اللي اتحطيت فيه في لحظة. بصيت لإبراهيم، ولقيت في عينه نظرة استسلام كاملة لأمه، وعرفت إن الكلام معاه مش هيجيب نتيجة، وإن المواجهه معاه مش هي اللي هتنفعني.
أخدت نفس عميق، ورفعت وشي، وبصيتله بابتسامة هادية جداً.. ابتسامة ما فيهاش أي اعتراض، وقلتله بصوت ثابت: “طبعاً.. أختك أولى.. اللي تشوفوه يا إبراهيم، ربنا يكتبهالها”.
إبراهيم من كتر ما كان متوقع مني موال ونكد وخناق، وقف مش مصدق نفسه! عينيه وسعت بذهول، وقرب مني وباس رأسي بلهفة وقالي: “الله يخليكي ليا يا سحر.. والله العظيم ربنا هيعوضك، وأول ما الفلوس تجهز تاني هوديكي فوراً، أنتِ أصيلة وبنت أصول!”.
نزل إبراهيم.


