جوزى طيار

خير يا شريف… حصل إيه؟
حاول يبتسم، لكن الابتسامة كانت باهتة.
مسك إيدي وقال
متخافيش… محدش حصله حاجة، بس لازم نتحرك بسرعة.
الكلمة الأخيرة طمنتني شوية.
خرجنا من الطيارة، وكان في موظف من المطار واقف مستنينا بعربية كهربائية صغيرة.
أول ما شاف شريف، سلّمه ظرف أبيض مختوم، وقال
زي ما طلبت يا كابتن.
استغربت.
إنت كنت مرتب لكل ده؟
ضحك وقال
آه… لكن المكالمة الأخيرة غيرت ترتيب الأحداث.
ركبنا العربية، وماشيين بين الممرات الهادية للمطار، لحد ما وصلنا لباب جانبي مخصص للعاملين.
أول ما خرجنا، لقيت عربية قديمة واقفة.
عربية!
بصيت لها أكتر، وحسيت إني أعرفها.
قربت منها ببطء… وفجأة شهقت.
دي… دي عربيتنا الأولى!
العربية الزرقا الصغيرة اللي اشتريناها بعد الجواز بشهور، واضطرينا نبيعها وقت ما كان شريف لسه في بداية شغله، عشان نسدد أقساط البيت.
لفيت أبصله، وأنا مش مصدقة.
إنت… رجعتها؟
هز راسه بابتسامة.
فضلت أدور عليها أكتر من سنة… ولما لقيتها، اشتريتها من غير ما أقولك.
لمست باب العربية، وحسيت كأن الزمن رجع بينا.
ركبنا، وكان نفس معطر الجو اللي كنت بحبه معلق في المراية، ونفس الأغنية القديمة شغالة بصوت منخفض.
ضحكت وسط دموعي.
إنت فاكر كل التفاصيل؟
رد وهو بيبص للطريق
في حاجات مينفعش تتنسي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقف قدام مبنى صغير مطل على النيل.
كان مطعمًا قديمًا، لكنه مقفول.
استغربت.
إحنا جايين هنا ليه؟
ناولني المفتاح النحاسي اللي كان في العلبة.
وقال
المفتاح

ده مش بتاع المطعم…
وأشار ناحية باب خشبي صغير في الجنب، عمره ما كان ظاهر للناس.
قربت، وحطيت المفتاح في القفل.
لفّ بسهولة… وكأن الباب كان مستنينا.
فتح الباب ببطء.
دخلنا ممرًا قصيرًا، وفي آخره غرفة صغيرة مضاءة بشموع.
على الحائط كانت صورنا من أول يوم خطوبة، ويوم كتب الكتاب، وأول بيت، وأول رحلة، وكل ذكرى جميلة عدت علينا.
لكن في منتصف الغرفة…
كانت فيه منضدة عليها صندوق خشبي كبير، وعليه ورقة واحدة مكتوب فيها بخط شريف
افتحيه معايا… لأن اللي جواه هيغير شكل كل عيد جواز من النهارده، لكن لسه لازم تعرفي حاجة مهمة قبل ما نشوفه.
ثم نظر إليّ بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد ليحكي سرًا احتفظ به سنوات… لكنه لم ينطق بالكلمة الأولى بعد وقفت قدامه، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيت للصندوق… وبعدين بصيتله.
قلت بصوت مرتعش
شريف… خوفتني. هو في إيه؟
ابتسم، ومد إيده مسك إيدي برفق.
اطمني… السر ده عمره ما كان حاجة وحشة. بالعكس… هو أجمل وعد حاولت أوفيه.
سحب من جيبه مفتاحًا صغيرًا تاني، كان مختلف عن المفتاح اللي فتحنا بيه الباب.
ركع على ركبة واحدة قدام الصندوق، وحط المفتاح في القفل.
صدر صوت تك.
فتح الغطا ببطء…
ولقيت جواه عشرات الظروف، كل واحد مربوط بشريط بلون مختلف.
وعلى كل ظرف تاريخ.
قربت وأنا مستغربة.
أول ظرف كان مكتوب عليه
السنة الأولى.
واللي بعده
السنة الثانية.
وبعدين
السنة الثالثة.
لحد ما وصلت لآخر ظرف.
السنة الثانية عشرة.
بصيتله باستغراب.
إيه دول؟
ابتسم وقال
كل سنة في عيد جوازنا، كنت بكتبلك جواب.
شهقت.
جواب؟
هز رأسه.
حتى في السنين اللي كنا بنتخانق فيها… والسنين اللي كنت مسافر فيها… والسنين اللي كنتِ فاكرة إني نسيت المناسبة… كنت برجع آخر اليوم وأكتب كل اللي كنت عايز أقوله، وأحطه هنا.
مد إيده وناولني أول ظرف.
فتحته.
كان الخط أقدم، وكأن الزمن رجع بينا.
قرأته بصوت منخفض، وكانت أول جملة فيه
إلى البنت اللي وافقت تعيش مع شاب لسه بيبدأ حياته… أوعدك إني يمكن معرفش أجيب الدنيا كلها، لكن هفضل أحاول أخليكي تضحكي كل يوم.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف اللي بعده.
ثم اللي بعده.
كل واحد كان حكاية كاملة.
في واحد كان بيحكي عن أول مرة خاف يبقى أب.
وفي واحد كتب

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *