عيال جوزى ٢ حكايات صافي هاني

​وفجأة.. هدأ الجهاز، والتفت الطبيب نحو الممرضة وهز رأسه بقلة حيلة، ثم نظر إليّ من وراء الزجاج وخلع كمامته الطبية ببطء.

​في نفس اللحظة، شعرتُ بلمسة باردة على كتفي.. التفتُّ بفزع، فكانت ليلى! كانت قد فاقت وخرجت من غرفتها تجر حامل المحاليل الطبية بجسدها المرتعش ووجهها المربوط بالضمادات.. نظرتْ إليّ بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت مبحوح يمزق القلوب: “طنط كريمة.. حازم مات؟”

​قبل أن أنطق، انفتحت بوابة العناية المركزة، وخرج منها ضابط شرطة صغير السن، كان يحمل في يده حقيبة بلاستيكية صغيرة تحتوي على أمانات حازم التي عُثر عليها في جيب جاكيته المحترق.. مد يده بالحقيبة إليّ وقال: “المرحوم قبل ما يدخل في الغيبوبة الأخيرة، خلى المسعف يطلّع دي من جيبه، وقال له سلموها لطنط كريمة وقولولها أنا آسف.”

​فتحتُ الحقيبة البلاستيكية بيد ترتعش.. وأخرجتُ منها ما كان فيها.

​لم تكن أموالاً، ولا أوراقاً رسمية.. كانت علبة صغيرة بداخلها “سلسلة فضة” كنت قد ضيعتها في البيت من خمس سنين وكان حازم قد أخذها ليصلحها لي في عيد ميلادي، ومعها ورقة صغيرة مطوية، مكتوب فيها بخط يده المتعرج والمحترق الأطراف:

(أنا عارف إنك أنتِ اللي ربتينا.. وعارف إننا ملناش غيرك.. سامحينا يا ماما).

​سقطت الورقة من يدي، وارتمت ليلى في حضني وهي تصرخ وتبكي بحرقة، بينما كنت أنا أنظر إلى جث..ة حازم من وراء الزجاج.. أدركتُ في تلك اللحظة أنني كسبتُ القض..ية، واسترددتُ أموالي، وأخذتُ حقي من كل الذين ظلموني.. لكنني خسرتُ ابني الذي لم أنجبه، ولم يتبقَ لي في هذه الدنيا سوى ليلى.. ليلى التي أصبحتُ أنا الآن، رسمياً وقانونياً وفوق رغبة الجميع.. أمها الوحيدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *