الإنجاب

سلعة بايظة.
فرع ميت في شجرة العيلة.
أبويا قفل على نفسه أوضته، العار والبوربون واكلينه، وأنا لجأت للكتب. وهناك اكتشفت كتب “ممنوعة” في المكتبة:
القائمة
بحث عن
كوخ العم توم، وكتابات فريدريك دوغلاس.
القراية المتأخرة دي زرعت جوايا قلق أخلاقي عمري ما حسّيته قبل كده. ابتديت أشوف الندوب على ضهور العمّال، النظرات الفاضية للعبيد، والإنسانية اللي طبقتي الاجتماعية كانت بتنكرها.
الانفجار حصل في مارس
1859.
أبويا اقتحم المكتبة، ريحة نفسه كحول ويأس. وكشفلي عن “حله العبقري” لمشكلة مفيش ورثة.
قال ببرود واحد بيملي جملة:
أول مرة في حياتي، الانصياع اللي فرضه ضعفي الجسدي اتكسر. قلت له لا. صرخت في وشه إن الخطة دي شيطانية. زقّني بعيد عن نظره، وهو بيشتمّني وبيقول عليّ جاحد ومعيوب.
ما نمتش الليلة دي.
.
ست عندها 24 سنة، قوية وذكية، بتشتغل في الحقول تحت شمس بتحرق… وأنا عارف إني ماقدرش حتى أتشابك معاها دراع بدراع.
تاني يوم الصبح، وجسمي بيرتعش من الأدرينالين، رحت أكواخ العبيد — مكان نادرًا ما كنت بدخله. استنيت لحد الغروب لما رجعت من الحقول.
لما دخلت كوخها وشافتني واقف، عينيها امتلوا حذر. حكيتلها كل حاجة. حكيتلها .
— يعني القاضي ناوي يستخدمني كحيوان؟ — سألت.
قلت لها:
— أيوه. وعشان كده لازم نهرب.
ابتسمت دليلة ابتسامة خافتة، لكنها مليانة حزم.
— تمام… نخطط إزاي؟ — قالت بصوت منخفض، كأنها خايفة إن الجدران تسمعنا.
بدأت أرسم على الورق في راسي: الطريق الآمن خارج المزرعة، العربيات اللي ممكن نستخدمها، كوخ بعيد في الغابة نقدر نختبئ فيه… وكل التفاصيل الصغيرة اللي ممكن تحدد بين الحياة والمـ,ـوت.
لكن الحقيقة الصادمة كانت إن الهروب مش مجرد تهرب من أبي أو قانون، ده تهرب من حياة كاملة متجذرة في العبودية والقسوة. وكل لحظة كنت براقب فيها دليلة وأنا
بحاول أتنفس الهدوء، كنت بحس إن عقلي وجسمي بيتحولوا من خوف إلى تمرد.
في منتصف الليل، لما ظلام الغابة غطى خطوة كانت محسوبة، كل صوت يمكن يكون مأذونًا لليوم الأخير في حياتنا القديمة.
وصلنا عند حدود النهر، وهناك كانت مركب صغيرة قديمة، أبيضت تحت ضوء القمر. كنت عارف إننا لو اتأخرنا ثانية، الحراس هيلحقونا. دلّيتلي ركبت أول، وأنا وراها.
المياه كانت باردة، وكل موجة بتحرك المركب كانت تحرك قلبي كمان. لكن مع كل دقيقة بعيد عن المزرعة، كنت بحس إن شعور جديد بيتولد: شعور بالحرية.




