بنتي والسطوح

استنيت خمس دقايق، وبعدين قربت من الباب وبصيت من شق صغير في الخشب… واللي شوفته جوه خلاني أكتم صرختي بإيدي بالعافية!!
من الرعب رجليا شالتني بالعافية ونزلت شقتي زي المضروبة على راسي. جسمي كله كان بيتنفض. من غير ما أفكر مسكت تليفوني ورنيت على “جلال”… الرقم اللي مكنتش ناوية أطلبه تاني أبداً.
رد عليا ببرود: “أيوة… خير في إيه؟”
صرخت فيه بصوت مكتوم من العياط والرعب: “إلحقني يا جلال… بنتك حبيبة بتضيع… اللي شوفته فوق السطوح مصيبة، تعالالي حالا!!!!!”
#الكاتبه_نور_محمد
سكت جلال لثواني على الناحية التانية من الخط… السكوت اللي بيسبق العاصفة. ولأول مرة من سبع شهور، أسمع نبرة البرود والتعالي بتختفي من صوته تماماً، وتحل مكانها لهفة الأب ورعبه:
”حبيبة؟! مالها حبيبة يا سهام؟
عملت إيه وفوق سطوح إيه؟ انطقي!”
”مش هينفع في التليفون يا جلال! تعالى فوراً… البنت بتعمل حاجات مرعبة فوق، أنا شوفت المنظر وركبي مش شيلاني… إلحق بنتك قبل ما تروح مننا!”
قفلت السكة وأنا بنهج، قعدت على أقرب كرسي في الصالة، وضغطت بإيدي الاتنين على صدري عشان أهدي ضربات قلبي اللي كانت هتوقف. عقلي كان رافض يستوعب المشهد اللي لمحته من شق الباب الخشب…
المنظر كان أبشع من أي كابوس ممكن يمر على بال أم!
الأوضة كانت معتمة ومفيش فيها غير ضوء شمعتين حُمر منورين في الأرض… حبيبة، بنتي الهادية الرقيقة اللي بتخاف من خيالها، كانت قاعدة على ركبتها في نص الأوضة، وحواليها دايرة كبيرة مرسومة بتراب أحمر غريب فاقع، وفي النص مجمرة فخار طالع منها دخان كثيف ريحته خانقة زي البخور المعفن. والأفظع من ده كله، إنها كانت ماسكة صور ليا ولأبوها… صور من فرحنا ومن أيام ما كنا عيلة ملمومة، ومغرّقة الصور بحبر أحمر سميك، وبتغرز فيها دبابيس وهي بتعيط بهستيريا وتتمتم بكلام مش مفهوم وبصوت واطي مرعب، وجنبها كيس الأكل الأسود مفتوح، بترمي جواه حاجات وتكب فوقه سائل أسود!
عشر دقايق بالظبط… ولقيت الباب بيخبط خبط جنوني. جريت فتحت، لقيت جلال واقف قدامي، وشه أصفر وشعره منكوش، ونفسه مقطوع كأنه طالع جري على السلالم. أول ما شافني مسكني من كتافي:
”في إيه يا سهام؟! حبيبة فين؟ جرالها إيه؟”
مسكت إيده وأنا برتعش وشاورت على السلم:
”اطلع معايا براحة من غير صوت… البنت في أوضة الكراكيب فوق، ومش طبيعية خالص يا جلال!”
طلعنا على طراطيف صوابعنا على السلم، وكل خطوة كانت كأنها بتدب على قلبي. السطوح كان هادي والدنيا بدأت تليل، وريحة البخور والدخان الخانق كانت فايحة في الهوا ومغطية على المكان كله. جلال شم الريحة وبصلي بدهشة ورعب زادوا في عينيه.
قربنا من باب الأوضة المقفول… الصوت من جوة كان مسموع: شهقات وبكاء يقطع القلب، وصوت حبيبة وهي بتترجى بصوت مبحوح:
”يا رب يرجعوا… يا رب بابا يسامح ماما وميطلقهاش… يا رب أنجح وأفرحهم وميتفرقوش… أبوس إيدك يا شيخ قولي أعمل إيه تاني؟ أنا عملت الدايرة وولعت البخور الأحمر وحطيت الأثر والدم زي ما قولتلي… هيرجعوا صح؟ مش هتخليهم يموتوا؟”
جلال اتصدم، وشه بقى شاحب زي الكفن، وبصلي والدموع اتجمعت في عينيه كأنه أخد رصاصة في قلبه. مكنش قادر يمسك نفسه أكتر من كده… وبحركة لا إرادية وبكل غضبه وقهره، زق الباب برجله بقوة فكسر القفل المصدي والباب اتفتح على مصراعيه!
حبيبة صرخت صرخة رعب شقت سكون الليل، واترمت على ضهرها وهي بتغطي وشها بإيديها اللي كانت متلطخة كلها باللون الأحمر والأهباب:
”لااااا! متقربوش مني! هيموتوا بسببي… متقربوش!”
جريت عليها وأنا بصرخ :
”حبيبة! يا بنتي ده أنا ماما! وبابا أهو معاكي يا حبيبتي… فوقي يا ضنايا!”
جلال دخل الأوضة وهو مش مصدق كمية الخراب والطلاسم اللي مرسومة بالفحم والتراب الأحمر على الحيطان والأرض، والشموع اللي على وشك تخلص، وتليفونها اللي مرمي على الأرض ومفتوح على شات في تطبيق مشبوه. نزل جلال على ركبه جنبنا،وهو بيعيط بصوت عالي:




