لما خرجت من عند المأذون حكايات زهرة

على الصندوق لحد ما ييجي الوقت المناسب.
وليه ما قلتيليش؟
لأن الوقت المناسب ما جاش.
حسام تدخل
دلوقتي جه.
الضابط قال
واللي بيحصل كله عشان الفلاشة دي؟
حسام رد
مش الفلاشة وحدها.
وأشار للدفتر.
الحسابات دي أهم.
الضابط فتح الدفتر.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف.
استنى…
أشار إلى سطر.
كان فيه تحويل مالي ضخم جدًا، وتاريخ التحويل قبل وفاة أبي بأيام.
لكن اسم المستفيد لم يكن اسم فارس.
ولا اسم أي شخص نعرفه.
كان مكتوبًا
مؤسسة النور الخيرية.
قلت
يعني إيه؟
حسام قال
دي المؤسسة اللي كان أبوكي بيحول لها جزء من أرباح الشركة.
الرجل العجوز قال
وكانت المؤسسة بتساعد ناس كتير.
الضابط سأله
طيب إيه المشكلة؟
حسام رد
المشكلة إن المؤسسة اختفت بعد وفاة والد شهد.
ثم فتح الفلاشة.
والفلوس اختفت معاها.
سكت الجميع.
قلت
يعني أبويا كان بيخسر فلوسه؟
حسام هز رأسه.
لا.
ثم نظر لي مباشرة.
أبوك كان بيحط فلوس في مكان آمن.
ليه؟
عشان كان متوقع إن الشركة تقع.
قلت
مين كان هيوقعها؟
حسام لم يرد.
بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه وفتح صورة.
كانت صورة قديمة لعقد.
قال
بصي على آخر توقيع.
بصيت.
كان توقيع أبي.
لكن تحته توقيع آخر.
توقيع حسام.
اتسعت عيني.
إنت كنت شريك مع أبويا؟
حسام قال
لا.
ثم أضاف
أنا كنت الشاهد الوحيد على الاتفاق الأخير بيني وبينه.
سكت لحظة.
الاتفاق اللي كان السبب الحقيقي في طلاقنا.
اقتربت منه.
وإيه كان الاتفاق؟
حسام بص لي طويلًا.
ثم قال
أبوك طلب مني حاجة واحدة قبل ما يموت.
إيه؟
إنك ما تعرفيش الحقيقة…
توقف.
ثم أكمل
إلا لما تتأكدي بنفسك إنك تقدري تتحمليها.
وفجأة، وصل إشعار على هاتف الضابط.
قرأه، ووشه اتغير.
سألته
في إيه؟
قال
وصلنا تقرير جديد من المستشفى.
عن حسام؟
هز رأسه.
لا.
ثم رفع عيني نحوي.
عن والدك.
تجمدت.
أبويا؟
قال
المستشفى اللي استخرجت شهادة وفاته من سبع سنين…
سكت لحظة.
ثم أكمل
بتقول إن فيه خطأ في سجلات الوفاة.
صوتي خرج بالكاد
يعني إيه خطأ؟
الضابط نظر لي وقال
يعني إن الملف الرسمي لوفاة والدك…
توقف.
ثم قال
مش موجود في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتجمعت قدامي مرة واحدة.
أبويا، حسام، الخزنة، الفلاشة، الطلاق، والمستشفى…
كلها كانت أجزاء من سر واحد.
الضابط أخذ الفلاشة وراجع التسجيلات، وبدأت الحقيقة تظهر.
والدي كان اكتشف قبل وفاته إن شريكه القديم بيختلس أموال الشركة ويزوّر مستندات باسمه. ولما حاول يبلغ، اتعرض لتهديدات، فبدأ ينقل الأدلة لمكان آمن.
لكن قبل ما يقدر يكمل، حصلت له أزمة صحية مفاجئة ومات.
حسام كان وقتها الشخص الوحيد اللي عرف جزءًا من الحقيقة، ووعده إنه يحافظ عليّ وعلى الأدلة.
وعشان كده، لما بدأت نفس المجموعة تبحث عن المستندات من جديد، حسام قرر يبعدني عنه.
الطلاق كان تمثيلية قاسية… لكن هدفها الوحيد كان إني أخرج من القاهرة وأبعد عن الخطر.
أما حكاية فرحه، فلم تكن هناك عروسة أصلًا.
كان حسام محتاج كل الناس تصدق إنه بدأ حياة جديدة، عشان محدش يشك إنه كان بيحميني.
حتى أمه كانت مشاركة في الخطة، ومكالمتها للمستشفى كانت محاولة تجبرني أرجع للقاهرة بطريقة تبدو طبيعية.
لكنهم لم يتوقعوا إن الخطة هتتحول إلى سلسلة من المفاجآت.
أما الشخص اللي خطف حسام، فطلع واحد من أفراد الشبكة اللي كانت بتحاول تستولي على ممتلكات الشركة، وتم القبض عليه بعد ما ظهرت التسجيلات والأوراق.
والأهم…
اتضح إن والدي فعلًا مات منذ سبع سنوات.
الخطأ كان في السجلات، لأن الملف الأصلي اختفى وقت التحقيق القديم، وده هو السبب اللي خلانا نشك للحظات إن وفاته كانت لغزًا أكبر.
وقفت قدام حسام بعد ما انتهى كل شيء.
قلت له
كان ممكن تقول لي.
خفض عينيه.
كنت خايف أخسرك.
ضحكت بحزن
بس إنت خسرتني فعلًا يوم خليتني أصدق إنك هتتجوز بعد يوم من طلاقنا.
قال
عارف.
سكتُّ شوية.
ثم قلت
أنا مش هنسى اللي عملته.
رفع عيني.
ومش هطلب منك ترجعي.
هززت رأسي.
كويس.
ابتسم بحزن.
لكن قبل ما أمشي، وقفت.
بس فيه حاجة واحدة.
إيه؟
قلت
المرة الجاية لما تحاول تحميني… ماتطلقنيش.
ضحك لأول مرة من أيام.
وأنا كمان ضحكت.
مش لأن كل شيء رجع زي الأول…
لكن لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
خرجت من المكتب، وأنا حاسة لأول مرة إن نفسي رجع لي.
رجعت للغردقة بعدها بيومين، وكملت إجازتي.
وقعدت قدام البحر وأنا بفتكر كل اللي حصل.
وفهمت درسًا عمري ما هنساه
مش كل شخص يبعد عنك بيكون تخلى عنك، ومش كل موقف مؤلم بيكون نهايته خسارة. أحيانًا الحقيقة بتتأخر… لكنها لما تظهر، بتخلي كل حاجة كانت غامضة مفهومة.
أما حسام؟
فما رجعش يطلب مني نرجع لبعض.
ساب القرار لي.
وبعد شهور، لما اتقابلنا مرة تانية، قال لي
لو هبدأ معاكي من جديد، مش هطلب منك تنسي اللي حصل… هطلب منك بس تديني فرصة أثبت لك إني اتعلمت.
بصيت له طويلًا.
وقلت
الفرصة مش كلمة… الفرصة أفعال.
ومن يومها بدأنا صفحة جديدة، المرة دي من غير أسرار، ومن غير تمثيل، ومن غير ما حد يقرر بالنيابة عني.
النهاية.

