رجل ترك زوجته مع خمسه اطفال

في كل مقابلة أمي هي أول مهندسة قابلتها في حياتي لأنها بنت حياتنا من الصفر. والمحامية التي كانت ترى في كل امرأة ضعيفة صورة أمها فكانت تدافع بكل ما فيها من قوة لتعيد العدالة لمن ظلم. والمغني الذي كان يغني للكرامة وكان صوته يهز آلاف المستمعين لأنه يحمل صدقا لم يتعلمه من المعاهد بل من حضن أمه. والمستشار الناجح الذي كان يقف على المنصات ليخبر الشباب أن الفقر ليس النهاية وأن الألم ليس وصمة. والفنان الذي جعل وجه أمه أيقونة تتردد في كل معرض كأن العالم كله بات يرى من خلالها معنى الصمود.
أما الرجل الذي تركهم فقد عرف الحقيقة من بعيد. سمعها كما يسمع المرء خبرا

لا يتعلق به ثم فجأة يشعر بأن قلبه يضيق. شعر للمرة الأولى أن ما تركه خلفه لم يكن فضيحة محتملة بل كان عائلة كان مستقبلا كان أبناء يحملون اسمه دون أن يحملوا منه شيئا آخر. حاول أن يعود حاول أن يطرق بابا أو يرسل رسالة لكن كل الطرق كانت مسدودة. ليست لأنهم يكرهونه بل لأن الزمن لا يعود للوراء ولأن الندم لا يمنح صاحبه حقا تلقائيا في الدخول مجددا إلى حياة من جرحهم.
الأم لم تكن تحمل له الحقد لأنها لم تعد تملك وقتا للحقد. قلبها لم يعد فيه مكان إلا لراحة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد. واكتشفت أن الغضب عبء وأن التجاهل شفاء.
الأيام التالية مرت كأنها صفحة جديدة تكتب بحروف من نور. كل شيء كان أخف الهواء الخطوات حتى النوم. الناس بدأوا

ينظرون للأم باحترام جديد احترام من يعرف أنه كان مخطئا لكنه لا يملك الشجاعة ليقول ذلك بصوت مسموع. وبعضهم كان يراقب أولادها وهم يمرون في الشارع ويهمس هذه المرأة لم ترب أطفالا فقط بل ربت رجالا ونساء من ذهب.
وفي إحدى الليالي جلست الأم في الفناء تنظر إلى السماء كما لو كانت تجري حساباتها الخاصة مع القدر. كانت تشعر أخيرا بأن كل ظلم واجهته لم يكن نهاية. بأن الصبر الطويل الذي ظنته عبئا كان طريقا نحو لحظة انتصار لا تشبه أي انتصار.
جاء أحد أبنائها جلس قربها وسأل بصوت خافت
أمي هل تشعرين أنك انتصرت
رفعت رأسها نحوه عيناها تلمعان بضوء هادئ يشبه ضوء القمر وقالت
يا بني النصر الحقيقي ليس أن ينتصر الإنسان على الآخرين بل أن ينتصر على ألمه. وأنا اليوم فقط أشعر أني انتصرت.
ثم أضافت
أنتم أنتم نصري الحقيقي.
وتنهدت بعمق وكأنها تفرغ آخر ذرة حزن بقيت في قلبها

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *