جنون أمي حكايات زهرة الربيع 1

كنا عايشين في مأساة حقيقية. كل ما نحاول نروح نزورها في المستشفى، أول ما تشوف أبويا تصرخ وتتجنن، وتمسك فيه بعنف… فالأطباء نصحوا إن أبويا يبطل يزورها خالص ويتابع حالتها من بعيد لبعيد. وبمرور الوقت، أنا وأختي كمان بطلنا نروح، المكان كان مرعب بالنسبة لنا كأطفال، وأبويا ما كانش بيأمن يودينا مع حد غيره.
عدت السنين، أربعطاشر.. خمسطاشر سنة وأنا كبرت. وكل ما أمي كانت تبدأ تتحسن، ييجي الدكتور وهو مقرر خلاص يكتب لها خروج، ويسألها عن ليلتها الأخيرة في البيت، تنهار تاني وتصرخ وتكرر نفس الكلام، فيجددوا لها الإقامة في المستشفى.
بعد 15 سنة، كبرت وأتعرفت على شاب محترم عن طريق الشغل، ودخل بيتنا وخطبني وهنتجوز. في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة ناقصة.. أمي لازم تكون معايا، لازم تطلع تحضر فرحي. قررت إن لازم أروح أزورها لوحدي، من غير أبويا ومن غير أختي، وأحاول أصلح اللي باظ من سنين.
رحت لأبويا وطلبت منه أزورها لوحدي. وافق بصعوبة شديدة وبعد تحايل كبير، وكان خايف عليا، بس في النهاية رحت.
دخلت عليها المستشفى… المكان كان كئيب، والريحة تقيلة، بس أول ما شوفتها قلبي اتعصر. كانت كبرت وشاب شعرها، بس لسة فيها حاجة من أمي بتاعة زمان.
اول ما شافتني وقفت والدموع ملت عيونها عرفتني فوراً رغم اني كبرت واتغيرت.. قالت وصوتها بيترعش: “نسمه؟”
ابتسمت بدموع وجريت حضنتها قولتلها: “ايوه انا نسمه يا حببتي وحشتيني…وحشتيني يا ماما.”
أمي بقت تحضني بلهفة وسألت عني وعن مايا، لحد ما مسكت إيدها وبدأت أعرض عليها العرض اللي جيت علشانه.
قلت لها بصوت هادي وبترجي: “يا ماما.. عشان خاطري، اكدبي على الدكاترة. قوليلهم إنك بقيتي كويسة، ولو سألوكي عن اليوم ده، قوليلهم خلاص.. أنا كنت فاهمة غلط، كان كابوس وسوء فهم وخلاص عدى. اعملي كده عشان تخرجي وتكوني معايا في فرحي!”
أمي بصت بححدة وقالت: “بس أنا مش فاهمة غلط يا نسمة! أنا شوفته!”
أنا خفت تروح في نوبة الصريخ العادية والدكاترة يجوا، فرديت عليها بسرعة وبلهفة عشان أهديها: “عارفة يا ماما.. عارفة، بس احنا هنضحك عليهم بس! هنقول كده للدكاترة عشان يوافقوا يخرجوكي وترجعي لنا البيت!”
هنا… حصل أغرب حاجة في حياتي.
أمي صمتت فجأة.. ما صرختش، ولا انهارت، ولا جتلها حالة الجنون اللي متعودين عليها كل سنة.




