سلسله وغويشة أمانى السيد الاخير

الفصل السابع: المواجهة في الظلال
لم تكن الخطوات في أزقة القرية المظلمة مجرد سيرٍ بين البيوت العتيقة، بل كانت عبوراً متسلسلاً في حقل من الألغام المنسية. المطر الذي هطل بغزارة غسل أتربة الطريق، لكنه لم يغسل الدماء التي رُويت بها الحكايات القديمة، ولا الشكوك التي أثقلت صدر يونس وهو يبتعد عن الشيخ سليم.
كانت الرسائل المحفوظة داخل معطفه تتكتك كأنها موقوتة. لم يستطع الانتظار حتى يصل إلى مكان آمن؛ توقف تحت سقف منزل مهدم يتهاوى جداراه الأخيران، وأخرج كشافاً صغيراً ليضيء الصفحة الأخيرة التي تمنى لو أنه لم يقرأها قط.
في أسفل الصفحة، وبخط يد متعرج يرتجف، كان هناك عنوان واضح ورمز قديم يعرفه يونس جيداً: “البيت ذو الباب الحديدي، خلف الساقية القديمة”. وتحت العنوان كتبت عبارة واحدة بخط داكن: “إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن صمت سليم لم يكن جداراً يحميك، بل كان قفصاً يحبسك فيه حتى تكتمل اللعبة.”
تجمدت الدماء في عروقه. هل كان الشيخ سليم يكذب طوال تلك السنين؟ هل كان ذلك الرجل العجوز الذي أظهر الرحمة والشفقة يمثل دور حارس المأساة وليس المنقذ؟
لم يتردد يونس. انطلق بخطوات حثيثة ونشطة نحو أطراف القرية، حيث تراب الساقية القديمة التي هُجرت منذ ثمانينيات القرن الماضي. كانت المياه الركودة تلمع تحت ضوء القمر الخافت الذي حاول الاختباء خلف السحب الركامية. هناك، بين أشجار الكافور الضخمة والمظلمة، ارتفع هيكل البناء القديم: منزل مبني من الحجر الأسود الجبلي، له باب حديدي مصدئ تظهر عليه آثار الزمن.
سحب يونس أنفاسه عميقاً، ووقف أمام الباب. دفع الباب ببطء؛ أصدرت المفصلات المصدئة صريراً حاداً شق صمت الليل وأرعب الطيور المخبأة في أعشاشها. دخل إلى الصالة الرئيسية، حيث كانت ريحة الرطوبة والعفن تغطي المكان.
في منتصف الغرفة، كانت هناك طاولة خشبية تعلوها طبقة سميكة من الغبار، وعليها سراج زيتي قديم يُبعث منه ضوء ضئيل واهن. وخلف الطاولة، جلس رجل لم تظهر ملامحه بالكامل في الظل، يرتدي عباءة داكنة ويمسك في يده مسدساً قديماً موضوعاً بأريحية على سطح الطاولة.
صاح يونس بصوت ثابت يغالبه التوتر:
“من أنت؟ ولماذا انتظرت كل هذه السنين لتدعوني إلى هنا؟”
ضحك الرجل ضحكة خفيفة منخفضة الصوت، تخللتها سعلة جافة تشبه حركة الرمال المتحركة:
“كنتُ أعلم أن سليم لن يستطيع منعك. سليم رجل ضعيف، اعتقد أن السلام يُشترى بالجبن والتكتّم. استريح يا يونس، فأنت لم تأتِ لقتلي، بل أتيت لتعرف من أنت بحق.”
خطا يونس خطوة إلى الأمام حتى أضاء السراج جزءاً من وجه الرجل. كانت الملامح مشوهة بندبة قديمة تمتد من جبهته حتى فكه الأيسر، عين حادة وأخرى غائمة لا بصر فيها.
قال الرجل وهو يشير بيده نحو الكرسي المقابل:
“الرسائل التي بين يديك لم يكتبها والدموع في عينيه من الندم.. كاتبها كان يبحث عن واريث حقيقي ليسترد ما منه. والدك لم يمت في حادث كما أخبروك، ووالدتك لم ترحل بسبب المرض. الشحنة التي اختفت قبل ثلاثين عاماً، والذهب الذي أُخفي تحت هذا البيت، لم يكن ملكاً للشيخ سليم ولا لأهل القرية.. كان ملكاً لمن حفروا في هذا الجبل بأظافرهم.”
رد يونس وعيناه تتفحصان على الطاولة:




