ابويا وقف في مطبخي حكايات بسمه

بصوت حازم
أستاذ كريم… عم حسن أدى واجبه على أكمل وجه. الأوراق التي بين يديك الآن كاملة وموثقة من الشهر العقاري ووزارة التضامن. لقد أقمنا دعوى تحفظ عاجلة على المستندات والتوكيلات المزورة التي كانت رانيا تجهزها، كما قدمنا إخطارًا رسميًا للبنوك لمنع أي معاملات بخصوص الحسابات المشتركة. كل ما عليك الآن هو أن تظل متماسكًا.
في تلك اللحظة بالذات… انفتحت أبواب العناية المركزة والعمليات.
خرج الطبيب الجراح وهو يمسك بكمامته الطبية، ووجهه مجهد للغاية. ركضتُ نحوه والأوراق ممسوكة في قبضتي
دكتور! أرجوك… بشرني! أبي كيف حاله؟!
توقف الطبيب، ونظر إليّ ثم ابتسم ابتسامة هادئة تعلوها الرحمة
الحمد لله يا كريم… العملية كانت صعبة جدًا بسبب تمدد الشريان، لكن قلب والدك كان قويًا بشكل أدهشنا جميعًا. نجحنا في رتق الشريان وتثبيت الدعامة، وهو الآن تحت التخدير وفي حالة مستقرة تمامًا. يمكنك رؤيته بعد ساعتين.
سقطت على ركبتي في منتصف الممر، وسجدت لله شكرًا وبكاءً.
أبي… الرجل الذي بناه الشقاء، وحمل الطوب والخرسانة تحت شمس الصعيد الحارقة، الرجل الذي باع موتوسيكله وبدلته الوحيدة لأجلي، كان قلبه القوي يقاوم الموت من أجلي مرة أخرى!
مرت ساعتان…
كنتُ أقف بجانب سرير أبي في العناية المركزة. بدأت حواس الراجل الطيب تستعيد وعيها ببطء. فتح عينيه المجهدتين، ولما رآني بجانبه، ابتسم ابتسامة خفيفة للغاية، وبحثت يده الخشنة المليئة بالجروح القديمة عن يدي.
أمسكتُ بيده بكلتا يدي، ووضعتها على وجهي وأنا أبكي
سامحني يا أبي… سامحني يا أطهر وأعظم رجل في الدنيا! أنت أبي ورأسي وسندي، ولا يهمني أي دم أو نسب في هذا العالم! أنت أبي وحده!
ضغط أبي على يدي بضعف وهو يبتسم بنقاء
الظرف… قرأته يا كريم؟
قرأته يا أبي… وقرأت فيه كيف ضحيت بكرامتك وحملت الإهانة لتستخرج أوراق حمايتي. حقك يعود من هذه اللحظة.
في تلك اللحظة… انفتح باب غرف الانتظار الخارجية.
كانت رانيا تقف هناك!
كانت ترتدي معطفًا أنيقًا، وفي يدها حقيبة يدها الفاخرة. جاءت تسير ببرودها المعتاد، وعلى وجهها ابتسامة مصنعة، وقالت بنبرة ادعت فيها القلق
كريم! أخيرًا وجدتك! الممرضة اتصلت بي وقالت إن عمي حسن في العمليات… أردتُ أن أكون بجانبك يا حبيبي. كيف حاله الآن؟
التفتُّ نحوها ببطء شديد.
لم ترَ رانيا في عينيّ الزوج المطيع الناعم الذي كانت تتعامل معه لخمس سنوات. رأت في عيني صخرة قاسية تشبه صخرة الجبل الصعيدي الذي خرج منه أبي.
اقتربت رانيا مني وأمسكت بكتفي
لماذا تبدو هكذا يا كريم؟ وهل هذا الظرف البني في يدك هو ما كان يخبئه؟ دعني ألقي عليه نظرة…
مدت يدها لتأخذ الظرف، لكنني أمسكت بمعصمها بقوة وقسوة جعلتها تتراجع وصرخت بألم
كريم! ماذا تفعل؟! أجننت؟!
نظرتُ لها بنبرة هادئة لكنها قاتلة
الظرف هذا يا رانيا… يحوي ورقة استدعائك للنيابة العامة بتهم التزوير والشروع في النصب والابتزاز المالي واستغلال ثقة زوجية!
تغير لون وجه رانيا فورًا. سقطت حقيبتها من يدها، وطارت الألوان من شفتيها
أنت… أنت ماذا تقول؟ ألا تعرف مع من تتحدث؟!
أخرجتُ الأوراق الرسمية الموثقة من المحكمة ووضعتها أمام وجهها
أعرف جيدًا مع من أتحدث… أتحدث مع ابنة المحاسب المالي السارق لدار الرعاية، الفتاة التي دخلت حياتي بخطة مدروسة لتسرق أموالي وأملاك والدتي الراحلة! أعرف بخصوص العقاقير التي تأخذينها، وأعرف عن التوكيلات التي كنتِ تجهزينها مع محاميكِ المشبوه!
بدأت رانيا ترتجف، وتراجعت للخلف خطوتين، وصوتها يتلعثم لخوفها من الفضيحة أمام أطباء وممرضي المستشفى
كريم… استمع إليّ! هذا الرجل العجوز خرف وشحن رأسك ضدنا! أنا أحبك! أنا زوجتك!
أنتِ لستِ زوجتي بعد هذه اللحظة… ورقة طلاقك الثلاثي المكمل للبائنة ستصلكِ على بيت والدكِ صباح الغد، مع أمر ضبط وإحضار صادر من وكيل النيابة للتحفظ على حساباتكِ كافة!
في تلك اللحظة، دخلت المحامية إيمان برفقة اثنين من أمناء الشرطة الذين كانوا ينتظرون خارج قسم المستشفى، وأبرزوا لها أمر الاستدعاء الرسمي للتحقيق في بلاغ التزوير الجنائي واستغلال أموال الوصاية والقصر.
صرخت رانيا وبكت وهي تُسحب من الممر، وحاولت الاستغاثات بي، لكنني أدرتُ ظهري لها تمامًا، ولم أنظر خلفي خطوة واحدة.
بعد مرور ستة أشهر كاملة…
كانت الشمس تشرق دافئة على شرفة شقتي الجديدة الكائنة بأحد الأحياء الهادئة.
كانت الأحكام القضائية قد صدرت بطلان كافة العقود والتداولات التي حاولت عائلة رانيا إجراءها، مع تغريمهم مبالغ طائلة تعويضًا عن الضرر الجنائي. واسترددتُ كافة حقوقي المالية التي أدارتها المحامية إيمان باحترافية كاملة.
لكن الأهم من كل المال والعقارات… كان يجلس في الشرفة.
كان أبي حسن السيد يجلس على كرسيه المريح، يرتدي جلبابه الأبيض النظيف، وأمامه كوب الشاي بالنعناع الذي يحبه. كان وجهه قد استعاد نضارته وصحته، وكانت عينيه تلمعان برضا وراحة بال لم أرهما طوال حياتي.
قربتُ منه، وحملتُ صينية الصباح، وقبلتُ رأسه الخالي من الشعر أمام الشمس.
ابتسم أبي وقال بصوته الدافئ
يسلم إيدك يا كريم يا ابني… تعبت نفسك ليه؟
جلستُ عند قدميه على الأرض، وحططتُ رأسي على ركبته الصلبة الخشنة كما كنت أفعل وأنا طفل في العاشرة من عمري
تعبك راحة يا أبي… الدكاترة قالوا إنك بقيت أحسن من الأول بمراحل، وأنا جهزت لك أوراق سفرنا للحج الشهر القادم كما كنت تحلم طوال عمرك.
رفع أبي يديه إلى السماء، وبكت عيناه دموع الفرح والامتنان
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما
كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله… ربي يحفظك يا كريم، ويرزقك الزوجة الصالحة والذرية اللي تصونك كما صنتني.
نظرتُ نحو السماء الصافية، وعرفتُ وقتها الحقيقة الكبرى في هذه الحياة
أن الأبوة ليست نطفة تُفرز ولا نسبًا يُكتب في الأوراق الرسمية… الأبوة هي ذلك القلب الذي يرتضي أن يحمل الشقاء والذل والإهانة ليحميك، والأب الحقيقي هو من يمنحك الحياة بصلابته وحبه الدافئ حتى آخر نفس في صدره.
تمت





