شفت جوزى حكايات رومانى مكرم الاخير

في صباح يوم مشرق من أيام الخريف، كانت مؤسسة “سارة عبد الجواد للتجارة والاستثمار” تحتفل بافتتاح فرعها الدولي الجديد وتوسعة مصانعها. أقيم الحفل في أحد أكبر الفنادق، وحضره كبار رجال الأعمال، والصحفيون، وشخصيات المجتمع، يتقدمهم والدي الحاج عبد الجواد وإخوتي وأمي، وجوههم تشرق بالفخر والاعتزاز وهم يرون اسم ابنتهم يعلو القمم بكل كبرياء وشرف.

وقفتُ على المنصة الرئيسية ألقي كلمة الافتتاح، أرتدي ثوبًا أنيقًا وراقيًا، وابتسامتي الواثقة تعكس سنوات من العزم والعمل الدؤوب. كانت كلماتي تدور حول العصامية، وكيف يمكن للإنسان أن يحول أشد المحن والطعنات إلى طاقة يبني بها مجده دون أن يفقد إنسانيته أو وقاره. وفي نفس ذلك اليوم، وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان باب أحد السجون العمومية ينفتح ببطء ليخرج منه طارق بعد قضائه فترة عقوبته!خرج رجلٌ كسيراً، انحنى ظهره، وشاب شعره قبل الأوان، يرتدي ملابس بسيطة وبيده كيس بلاستيكي صغير يحتوي على بقايا متعلقاته.

وقف على بوابة السجن الخارجية، يتلفت حوله في ذهول، فلم يجد أحدًا في انتظاره؛ لا عائلة، ولا أصدقاء، ولا مال، ولا شرف. تطلع طارق إلى شاشة عرض كبيرة كانت مثبتة على واجهة المبنى المقابل للسجن، تذيع تقريرًا إخباريًا عن النجاح الباهر لمؤسستي وتظهر فيه صورتي وأنا أُكرم كواحدة من أنجح سيدات الأعمال. وقف يتأمل الشاشة والدموع الحارقة تنهمر من عينيه، يدرك في تلك اللحظة القاتلة حجم الخسارة التي أورد نفسه إليها عندما استبدل الذهب بالرخيص.

أما نهى، فقد عاشت باقي حياتها في عزلة تامة بإحدى القرى النائية، مطاردةً بنظرات اللوم والعار، معزولة عن مجتمعها، تجر أذيال الخيبة والندم بعد أن دمرت بيتها وأسرتها بطلب نزوة زائلة. عدتُ في مساء ذلك اليوم إلى بيتي، البيت نفسه الذي شهد الواقعة، لكنه الآن يمتلئ بالدفء والسكينة والضوء. مشيتُ بخطوات رصينة نحو المطبخ، وسكبتُ لنفسي كوبًا من الماء النقي.

نظرتُ إلى باب الحمام الذي تجدد بالكامل، وتذكرتُ تلك اللحظة التي سحبتُ فيها الترباس القديم منذ سنوات. لم أشعر بالكره، ولا بالانتقام، بل بشعور عارم من السلام الداخلي والرضا؛ لقد أخذتُ حقي كاملاً بالعدل والقانون، ودون أن أسكب قطرة دمع واحدة أو أنزل إلى مستنقع الغضب الفوضوي. أغلقتُ الشرفة، وأضاءت أنوار المنزل الهادئة، مستعدة لمستقبل مشرق لا مكان فيه للخونة. الحكمة من القصة:إن الخيانة لا تحتاج إلى صراخ أو عويل لترد عليها، فالغضب العارم غالبًا ما يحرق صاحبه قبل أن يصيب الجاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *