لمدة 7 ساعات، بنتي صاحبة ال 8 سنين رفضت تبعد عن نعش أباها، والعيلة كلها بتصرخ فيها عشان تبعد.. وفجأة بصت لي في عينيا وبصوت واطي قالت لي يا أمي، بابا مش !.. م اتكلمتش ولا كذبتها، حطيت إيدي على وشه واتصلت ب فوراً! بس قبل ما الإسعاف يوصل، بصيت ب الصدفة في تليفون عمها.. ورسالة واحدة على الشاشة غيرت كل حاجة كنت فاكراها عن موت جوزي! بنتي فريدة صاحبة ال 8 سنين طلعت وقعدت جوة نعش أباها، والعيلة كلها كانت بتصرخ فيها عشان تطلع برة. الكلمة اللي قالتها بعد كده خلت حتى الدكتور اللي ماضي على شهادة وفاته وشه يصفر ويبطل كلام! يا أمي، بابا مش ! حسيت إن رجليا م بقتش شايلااني والحييل اتهد. لحد اللحظة دي ب الظبط، فريدة كانت بقالها حجي 7 ساعات قاعدة جنب نعش سليم جوزي. م عيطتش، م أكلتش، ويدوب شربت بقين مية ب بالعافية. العزا كان شغال في بيت حماتي في التجمع. سليم، جوزي، كان ماتأو ده اللي قالوه لنابعد ما جاله أزمة قلبية مفاجئة في عيادة خاصة على أطراف القاهرة. كان عنده 39 سنة بس. كان صحته زي الفل ومفيش فيه أي حاجة. وقبلها ب يومين بس، كان قايلي كلمة فضلت ترن في دماغي لو حصل أي حاجة غريبة في الشركة بكرة، م تمضيش على أي ورقة ل مازن أخويا! مازن كان أخوه الكبير وشريكه في شركة شحن وتبريد ورثوها عن أبوهم الله يرحمه. ولما سألت سليم إيه اللي بيحصل، هز راسه وقال عايز أتأكد الأول، وبعدين غير الموضوع. يوم الوفاة، مازن اتصل بيا وهو بيمثل إنه مفزوع، وقال إن سليم وقع فجأة وهو بيمر على التلاجة والمخازن. ولما وصلت العيادة، كان سليم خلاص متغطي ب ملاية بيضا. الدكتور قال ب تمثيل ورسم حزن حاولنا نعمل إنعاش نص ساعة.. للأسف يا مدام مفيش فايدة. الصدمة كانت عمياني، بس الضباب بدأ يروح في العزا. فريدة كانت طلبت كرسي عشان تقعد جنب وش أباها. حماتي سابتها تقعد، والقرايب كانوا بيهمسوا إن البنت في صدمة شديدة. بس أنا عارفة بنتي كويس.. فريدة لما بتخاف بتعيط وتصرخ، ولما م بتكونش فاهمة بتسأل. بس الليلة دي م عملتش ده ولا ده. كانت بتراقب ب تركيز مرعب! الساعة 1120 بليل، قربت منها فريدة يا حبيبتي، تعالي معايا جوة شوية. لا. لازم ترتاحي يا حبيبتي. بصت ل وش أباها ب تركيز ما بابا هو كمان مش مرتاح ولا نايم! جسمي كله قشعر من الخوف قصيدك إيه يا فريدة؟ م ردتش عليا. طلعت تليفوني وبصيت في صورة كنت صورتا ل سليم في العيادة. كانت الساعة في إيده قرية 413 العصر. بصيت ل الساعة اللي في إيده جوة النعش دلوقتي.. كانت قارية 1137 بليل! الساعة كانت لسة شغال وبتدق! ده مش معناه إنه حاي، بس معناه إن م حدش جهزه ولا قلعه حاجته زي ما بيحصل! وطيت ل فريدة وهمست شفتِ إيه يا فريدة؟ قربت وشها من وش أباها ب سنتيمترات في الأول افتكرت نفسي بتخيل.. بتتخيلي إيه؟ أنخه يا أمي.. صدري اتقفل قصيدك إيه يا بنتي؟ أنخه بتهتز حركة بسيطة أوي هنا.. وشاورت تحت مناخيره. قبل ما أرد، مازن جه من ورايا ب عصبيّة نورهان! كفاية بقى، البنت لازم تقوم تنام! صوته م كنش فيه حزن.. كان فيه توتر واستعجال مريب! وفجأة فريدة وقفت على الكرسي.. هستيريا. جريت عليها وهي بتترمى على صدر سليم وبتحط أذنها على الجاكيت بتاعه. مازن قرب ب غل وحاول يشدها ب قسوة شيلي البنت دي من هنا فوراً! زقيت إيده ب قوة إياك تلمسهاوفي ثواني، حطت ركبتها على طرف النعش وطلعت جوة النعش جنب أباها ب الكامل! العيلة كلها صرخت ب جنان و! فريدة بصت لي ب عينين مركزه أوي وشها أبيض يا أمي.. إيه يا حبيبتي؟ أنا سمعت دبتين في قلبه دلوقتي! الصالة كلها اتخرست وم بقاش فيها نفس!…… يا ترى نورهان هتعمل إيه لما تكتشف الخطة القذرة اللي عملها مازن عشان يخلص من أخوه، وإيه الرسالة المرعبة اللي كانت على تليفون مازن وهتقلب الترابيزة وتكشف السر، وإزاي سليم هيرجع من الموت عشان ينتقم؟ اللي جاي ضرب نار ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الصالة كلها اتخرست وم بقاش فيها نفس! الكلمات اللي قالتها فريدة نزلت علينا كالصاعقة، مفيش حد قدر يتكلم ولا يتحرك، حتى الهواء نفسه كان كأنه توقف عن الحركة. مازن اتغير لونه فجأة، وملامحه اتقلبت من العصبية لخوف وذعر ما قدر يخفيه، وبدأت عيونه تتراقص في مكانه كأنه بيدور على مخرج من كارثة مفاجئة. أنا نورهان، قلبى كان بيدق بسرعة مفيش وصف لها، مش بس من الصدمة، لا.. ده من شكوك كانت بتتجمع جوايا زي السحب السوداء، وكل دقيقة بتمر بتأكد لي إن اللي بيحصل ده مش طبيعي أبداً. سليم كان قايلي قبل يومين لو حصل أي حاجة غريبة في الشركة بكرة، م تمضيش على أي ورقة ل مازن!.. الكلمة دي كانت ترن في دماغي بكل قوة، وبدأت أربط الخيوط ببعضها. مسكت إيد فريدة اللي كانت لسة واقفة جوا النعش وماسكة بيد أباها، وقلت بصوت حاولت أجعله واثق ومسموع للكل محدش يلمس النعش.. محدش يقرب منه لحد ما يجي الطوارئ! مازن حاول يعترض بلهجة حادة يا نورهان إنتِ بتقولي إيه؟ ده سليم راح لله، والبنت في صدمة ومش عارفة بتقول إيه! تعالي نخرجها من هنا بدل ما تعمل مشكلة! بصيت له بنظرة حادة خلت هو اللي يتراجع خطوة لورا فريدة مش بتكذب أبداً. وإن كان سليم راح لله، فما فيش مانع ننتظر شوية لحد ما يجي الدكتور والإسعاف، يطمنوا الجميع، وبعدين نكمل واجبنا. حماتي كانت واقفة جنب الباب، دموعها ما وقفتش، بس لما سمعت كلامي وكلام فريدة، بدأت تتردد وتنظر ل مازن بترقب وقلق. كانت تحب سليم جداً، وكل كلمة بتقولها فريدة كانت تزيد من ارتباكها. اتصلت بالإسعاف مرة تانية، وقلت لهم الحالة طارئة، وطلبت منهم يجوا بسرعة، وإن ممكن يكون فيه غلط في تشخيص الوفاة. في نفس الوقت، كنت حاسة إن مازن مش مرتاح أبداً، كان بيمشي يمين وشمال، يشوف الساعة كل دقيقة، ويحاول يكلمني عشان أغير رأيي، بس أنا كنت مصممة. وفجأة، عينى وقعت على تليفون مازن اللي كان واقف على حافة الكرسي جنبه، والشاشة مفتوحة على رسالة جاية لسه من دقائق. ما كنتش ناوية أقراها، بس الكلمات اللي ظهرت كانت كفيلة بإن العالم كله يتقلب قدامي الجثة محتاجة تدفن بكرة قبل ما يكتشف أي حاجة.. الدكتور طلع كل اللي عليه، بس لازم نخلص بسرعة قبل ما يتأكد حد إن القلب لسه بيدق! الدنيا كلها سودت في عينيا! ده مش مجرد شك.. ده دليل قاطع! مازن كان عارف إن سليم لسه حي! كان متآمر عليه! وكل اللي حصل ده كان مخطط له من الأول! بقيت متمسكة بنفسي بصعوبة بالغة، ما حبيتش أظهر له إن قرأت الرسالة، عشان ما ياخد حذره أو يعمل حاجة غبية. سحبت تليفوني ببطء وبدأت أصور الشاشة بتاعته من غير ما يحس، وكل كلمة في الرسالة كانت بتحرق قلبي زي الجمر. في تلك اللحظة، سمعنا صوت صفارة الإسعاف برة.. أخيراً جاو! مازن لما سمع الصوت، اتغير وجهه أكتر، وبدأت تتضح عليه علامات الهلع الحقيقي. حاول يخرج برة بسرعة، بس أنا وقفت قدامه مش تروح يا مازن.. انتظر معانا لحد ما الدكتور يشوف سليم. أنا.. أنا هروح أستقبلهم برة! قالها بصوت متقطع ومحا يتهرب من نظراتي. خليك هنا.. محتاجة تكون موجود. قلتها بصرامة ما قدر يرد عليها. دخل طاقم الإسعاف بسرعة، ومعاهم دكتور طوارئ شاب ومتمكن. لما شاف النعش والوضع، استغرب وقال إيه الحالة دي؟ بلغنا إن فيه شخص ممكن يكون في حالة موت ظاهري؟ أنا رديت بسرعة أيوه يا دكتور، زوجي سليم، أعلنوا وفاته في عيادة خاصة، بس بنتي بتقول إنه لسه حي، ولاحظنا عليه حركات غريبة.. أرجوك تفحصه بسرعة! الدكتور ما ترددش، نزل على طول لجانب النعش، بدأ يفحص النبض، يستخدم سماعة الطبيب، يتفحص العينين، وكل دقيقة بتمر كانت بتزيد من خوف مازن وتوتره. كنت واقفة جنبه وماسكة إيد فريدة اللي كانت مبتسمة بثقة كأنها عارفة إن أباها هيرجع لنا. بعد دقائق كانت كأنها دهور، الدكتور رفع رأسه وفمه مفتوح من الصدمة، وقال بصوت مذهول السيدة دي صحيحة! القلب لسه بيدق بصوت خافت جداً.. هو في غيبوبة عميقة، وده حالة موت ظاهري ناتجة عن تسمم أو تأثير مواد مخدرة على الجهاز العصبي! لازم ننقله للمستشفى فوراً عشان نعمل له إنعاش كامل ونعالج السبب! الكلام ده كان زي الصاعقة على راس مازن! حماتي صرخت من الفرحة والصدمة معاً، والعيلة كلها بدأت تضج بالكلام، ناس فرحانة، وناس مصدومة، وناس بتشوف مازن بنظرات اتهام واضحة. أنا اتجهت ل مازن وقلت بصوت هادئ لكنه مليء بالتهديد سمعت يا مازن؟ سليم لسه حي.. وكل اللي عملته كان عشان تخلص منه.. صح؟ مازن ما قدرش يتكلم، لسانة اتعقد، وبدأت قدماه تترنح كأنه في أي لحظة. الجزء الثالث نقلوا سليم بسرعة تامة للمستشفى، وطلبت من اثنين من أقاربنا الموثوقين يروحوا معاه، واتأكدت إنهم يبقوا معاه طول الوقت ولا يسمحوا لأحد بالاقتراب منه غير الأطباء. أما أنا فبقيت مع مازن في البيت، ومعايا اثنين من أعمام سليم اللي كانوا متواجدين، لأنني كنت عايزة أعرف كل حاجة، وكنت عازمة إن الحقيقة تظهر كاملة من غير أي خداع. بدأت بمواجهته بالرسالة اللي صورتها، لما شاف الصورة على تليفوني، انهار تماماً وسقط على الكرسي، وبدأت الحقيقة تخرج منه مشتعلة زي البركان اللي كان مخبئه جواه. قال مازن بصوت متهدج ومليء بالكراهية والندم معاً أنا كرهته من قلبي.. سليم كان دائماً الأفضل.. الأب كان بيحبه أكتر، الناس بتحترمه أكتر، حتى الشركة لما ورثناها، هو اللي كان مديرها الحقيقي، وأنا مجرد موظف عنده.. كل حاجة ليه وأنا مفيش حاجة لي! حاولت أكون زيه، حاولت أثبت نفسي، بس الكل كان بيشوفني دائماً في ظله! لما كبرت الشركة وكبرت الأرباح، قلت لنفسي ده حقي.. ده أنا شريكه، لازم آخذ نصيبي الأكبر! سليم رفض، قال لي الشركة دي ورثناها من أبوينا، ولازم نبقي شركاء متساوين.. بس أنا ما قتنعتش! كنت عايز كل حاجة! سكت شوية ثم كمل وعيونه بتدمع من الغضب على نفسه وعلى أخوه اتفقت مع الدكتور اللي في العيادة.. دفعتله مبلغ كبير عشان يعطى سليم حقنة تسبب له غيبوبة عميقة جداً لدرجة إن أي حد يظنه ميت، وبعدين يعلن وفاته، وبمجرد ما يندفن، كل حاجة في الشركة تروح لي.. كنت فاكر إن كل حاجة هتمشي زي ما أنا عايز، وإن محدش هيكتشف الحقيقة.. لحد ما فريدة قالت كلامها.. لحد ما أنتِ قرأتِ الرسالة.. أنا غلطت يا نورهان.. غلطت غلطة عمري! الكلام ده كان بيدمرني وأنا أسمعه.. أخو الدم، الشريك، اللي كان المفروض يكون أقرب الناس ل سليم، هو اللي خطط ! كل ده عشان الفلوس! عشان السلطة! قيمته كانت أقل من أي حاجة رخيصة في نظري. قلت له بكل برود وكراهية أنتَ ما خسرتش فلوس يا مازن.. أنتَ خسرت نفسك.. خسرت أخوك.. خسرت كل اللي كان بينكم.. والندم ده مش هينفعك، لأنك كدت أقرب الناس ليك عشان أغراضك الدنيئة! في تلك الأثناء، جاتني مكالمة من المستشفى، الدكتور قال لي إن سليم بدأ يستجيب للعلاج، وإن حالته مستقرة، وإنهم متفائلين بعودته للوعي في خلال أيام قليلة. الخبر ده ملأ قلبي بالفرح والأمل، وكنت حاسة إن ربنا نصرنا، وإن الحق غالب في النهاية مهما طال الزمن. اتصلت بالمحامي فوراً، وقلت له كل التفاصيل، وأعطيته صورة الرسالة، وطلبت منه يتواصل مع النيابة العامة عشان يفتحوا تحقيق في الموضوع، لأن محاولة والتحايل على الناس وتزوير شهادة وفاة دي جرائم مش سهلة، ومازن لازم يتحمل عواقب أفعاله. كمان طلبت من المحامي يتأكد إن الدكتور اللي شارك في الجريمة كمان يتم القبض عليه، لأنه أثم وشارك في جريمة بشعة مقابل المال، وكل واحد منهم لازم ياخد جزاءه العادل. مازن سمعني وأنا أتكلم مع المحامي، وما حاولش يدفاع عن نفسه، لأنه عارف إنه يستاهل كل اللي هيحصل له. قال لي بصوت خافت ومكسور أنا مستعد لأي جزاء.. أنا أستاهل كل حاجة تيجي لي.. بس أرجوكِ لما سليم يفوق، قولي له إني آسف.. قولي له إني كنت أعمى وما شفتش قيمته غير لما كدت أخسره للأبد.. ما رديت عليهش، لأن الكلام ده جاء متأخر جداً، والندم اللي بيجي بعد فوات الأوان ما بيشفيش جرح ولا يصلح حال. الجزء الرابع مرت الأيام التالية وأنا أعيش بين الأمل والخوف، بزور سليم في المستشفى كل يوم، وفريدة كانت تيجي معايا وتجلس جنبه، تحكي له قصصها، تقوله كلام حلو، وتقوله إنه لازم يقوم عشان يلعب معاها وياخدها للنادي. الأطباء كانوا متفائلين جداً، وقالوا إن استجابته للعلاج ممتازة، وإن قوته البدنية ساعدته كتير في التغلب على تأثير المادة اللي اتعرض لها. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت قاعدة جنبه في الغرفة، ممسكة بيده، شعرت بيده تتحرك ببطء.. ثم فتح عينيه ببطء، ونظر لي بنظرة ضعيفة ومتعبة، وبصوت بالكاد يسمع قال نورهان.. دموعي نزلت من غير ما أشعر، وقلت له بفرحة لا توصف أنا هنا يا سليم.. أنا جنبك.. كل حاجة بخير.. فريدة كويسة.. وحنك كله بخير.. ابتسم بضعف وقال كنت عارف إنك هتكتشفي.. كنت عارف إن فريدة مش هتسمح لهم ياخدوني منكم.. بدأت أروي له كل ما حدث، من لحظة ما أعلنوا وفاته، لحد ما فريدة اكتشفت إنه لسه حي، لحد ما وصلنا للرسالة وكشفنا مخطط مازن. استمع لي بتركيز، وملامحه اتغيرت من الهدوء للغضب الشديد لما عرف إن أخوه هو اللي عمل كده. لم يتكلم كتير، بس عينيه كانت بتقول كل شيء.. الألم والصدمة والغضب معاً. بعد أيام قليلة، تحسنت حالة سليم بشكل كبير وسمحوا له بالخروج من المستشفى، بس كان محتاج راحة تامة ومتابعة دورية. رجعنا للبيت، وكنت حاسة إننا بدأنا حياة جديدة، حياة رجعت لنا فيها الأمل والفرحة اللي كدنا نفقدها للأبد. أما مازن فتم القبض عليه بناءً على البلاغ اللي قدمناه، والتحقيقات كانت جارية، واتضح إن الدكتور اللي ساعده كان متورط في قضايا تانية كتير، وإن الاتفاق بينهم كان مدفوع بمبالغ ضخمة ووعود بأكثر من ذلك. الحقائق كلها اتكشفت، وما بقتش هناك أي خدعة أو سر. حماتي كانت في حالة صدمة وندم لا توصف، كانت تعاني من مرض شديد بسبب ما حدث، وكانت تزور سليم كل فترة، تبكي وتعتذر منه، وتقول له سامحني يا ابني.. أنا ربيت مازن وما قدرش يطلع مني الطيب.. سامحني لأنه أخوك. سليم كان يسامحها ويعطف عليها، لكنه قال لها بوضوح أنا سامحكِ يا أمي، بس مازن عمل حاجة ما يتسامحش فيها.. هو اختار طريقه بنفسه، ولازم يتحمل نتيجة اختياره. وبعد فترة، صدر الحكم النهائي في القضية، وحكم على مازن بالسجن لمدة طويلة بتهمة محاولة والتحايل وتزوير شهادات طبية، والدكتور كمان حكم عليه بعقوبة مماثلة، وسحب رخصته الطبية للأبد. العدالة تحققت، وكل واحد أخذ جزاءه، وإن كان الألم اللي سببوه لنا مش هينتهي بسهولة. الجزء الخامس بعد مرور سنة كاملة، كانت حياتنا رجعت لطبيعتها، بل وأحسن من قبل. سليم استرد عافيته بالكامل، ورجع يدير شركته بنشاط وحماس، لكنه غير كتير من القواعد، وأصبح أكثر حذراً ودراية بمن حوله. قرر أن يفصل الجانب الشخصي عن الجانب العملي، وعين مديراً مستقلاً للشركة، وابتعد عن أي تعاملات مشبوهة أو أشخاص لا يثق بهم. علاقتنا ببعض أصبحت أقوى وأعمق، لأننا كنا عرفنا إننا ممكن نفقد بعض في أي لحظة، وإن الحب والأمانة هما أغلى ما نملك. وفريدة كانت كبرت شوية، وبقت أكثر ذكاءً وحرصاً، وسليم كان بيقول لي دائماً دي ملاك جات لنا من السماء تنقذني.. لولاها كان زماني في عذاب القبر وأنا لسه حي. كنا نزور حماتي كل أسبوع، وكانت حالتها تتحسن شوية بشوية، وكانت تعيش في بيت صغير اشتراه لها سليم، وخدمتها بكل رحمة وعطف، لأنها أمّه مهما كانت أخطاء غيرها. كانت دائماً تدعو لنا بالخير والبركة، وتقول لفريدة أنتِ الطفلة اللي رديت لي روحي.. ربنا يخليكِ لينا يا حبيبتي. مازن كان بينتظر نتيجة استئناف الحكم، وكلمنا مرة واحدة، طلب منا السماح والدعاء، وقال إنه عرف قيمة الأخوة والمال الحلال، وإن الحياة في السجن أهون من الحياة مع الذنب والندم. سليم سامحه من قلبه، لأن السماح من شيم الكرام، لكنه قال له السماح شيء والعودة لما كنت عليه شيء تاني.. الباب اتقفل يا مازن، واللي اتكسر مش بيتصلح. كمان قررنا نبدأ مشروعاً خيرياً يحمل اسم فريدة، لرعاية الأطفال الموهوبين ودعمهم، عشان نعطي للناس جزء من الخير اللي رزقنا إياه ربنا، وعشان نعلم فريدة إن الخير هو اللي يدوم، وإن مساعدة الغير هي أسمى غاية في الحياة. الحياة علمتنا دروساً كتير في تلك الفترة، علمتنا إن الأمانة تيجي في أول الطريق وآخره، وإن الغدر ما يدوم وإن كان طويلاً، وإن الحق لابد أن يظهر مهما طال الزمن وكثرت الأكاذيب. علمتنا إن الأبناء ممكن يكونوا سبب إنقاذ لآبائهم، وإن قلوبهم الطاهرة بتشوف ما لا تشوفه العيون. وعلمتنا إن الثقة بالله هي أعظم سلاح، وإن ربنا ما يخذل من يثق به ويتوكل عليه. الجزء السادس والأخير والآن بعد كل هذه السنوات، ونحن نعيش في سعادة وهدوء وأمان، أقف أنا نورهان جنب سليم، وفريدة بيننا، وننظر للماضي بكل ما فيه من آلام وأحداث، نجد إن كل شيء حدث كان له حكمة، وإن ربنا كان يحمينا ويرعانا في كل لحظة. الشركة ازدهرت وأصبحت من الشركات الكبرى في مجالها، بس سليم ما تغيرش، بقي نفس الرجل المتواضع الأمين اللي عرفته من أول يوم. كان دائماً يقول النجاح الحقيقي مش في المال ولا في الشهرة.. النجاح الحقيقي إنك تخرج من الدنيا بسلامة قلب وصفاء روح، وإن الناس تذكرك بالخير بعد ما تمشي. وفريدة كبرت وبقت فتاة ذكية وجميلة، تحب الخير وتساعد الناس، وكانت دائماً تقول أنا كنت عايزة أطمن على بابا بس.. وما كنتش أعرف إن الكلام ده هينقذه. كانت براءتها وصدقها هي المصباح اللي أضاء لنا الطريق وكشف لنا الحقيقة اللي حاولوا يخفوها عنا. ومازن.. بعد انتهاء مدة حكمه، خرج من السجن رجلاً تغير تماماً، تواضع وندم، وقرر يبدأ حياة جديدة بعيداً عن المكان اللي ذكره بكل أخطائه. سليم قابله مرة واحدة، وسامحه بكل قلبه، وأعطاه مبلغاً من المال عشان يقدر يبدأ حياته من جديد، وقال له المال ده لوجه الله.. مش بينا وبينك.. ربنا يهديك ويصلح حالك. مازن بكى من كلامه، وشكره بدموع حارة، وسافر لمكان بعيد، ولم نره بعدها، لكننا كنا ندعو له دائماً بالهداية والصلاح. وهكذا انتهت قصتنا، قصة بدأت بموت ظاهري ومكيدة دنيئة، وانتهت بعودة الحياة وانتصار الحق والعدالة. تعلمنا منها إن الحب الصادق بين العائلة هو أعظم كنز، وإن الثقة بالله لا تضيع أبداً، وإن الأيام بيننا، فلا تظلموا ولا تغدروا، فإن الدنيا تدور، والحق سيعود ولو بعد حين. وأخيراً.. تبقى الكلمة اللي قالتها فريدة في تلك الليلة بابا مش !.. كانت مجرد كلمة من فم طفلة، لكنها كانت الحقيقة الكبرى، وبداية حياة جديدة لنا.. حياة ملؤها الأمل والثقة بالله، وكلنا يقين إن ربنا معنا دائماً ما دمنا على الحق. تمت القصة بحمد الله وتوفيقه