ورث مراتي ٣

جمعت أمي وإخواتي، وقولتلهم بوضوح وشدة بس بأدب: (اللي حصل زمان كان غلطتي أنا، ومراتي على راسي وبيتي خط أحمر، ومحدش يتدخل بيني وبينها تاني).. وحطيت حدود واضحة للجميع عشان أحمي بيتي وكرامة مراتي اللي هانتها بسبب طمعي.
مع الوقت، كانت هي بتراقب التغير ده في صمت. شافت التعب في وشي، وشافت الإصرار في عيني على إنه ينصلح حالي، وشافت إني بقيت بحترمها وبحفظ غيبتها وبشيل بيتي وعيالي فوق كتفي بجد. التلج اللي كان على قلبها بدأ يدوب واحدة واحدة..
اللقمة بقت تنزل بابتسامة، والحديث اللي كان على قد الكلمة بقى يطول، والضحكة اللي غابت عن البيت سنين بدأت ترجع تدريجياً. وفي ليلة، رجعت من الشغل مهدود الحيل بعد يوم طويل وتعبان. دخلت الشقة لقيت الهدوء هادي ورَايِق، والولاد نايمين، والأكل متغطي وسخن على السفره.
خرجت هي من الأوضة، كانت جايبة لي كوباية شاي سخنة، وبصتلي بنفس النظرة الثابتة.. بس المرادي ما كانش فيها برود ولا قسوة، كان فيها دفا وتقدير. حطت الشاي قدامي، وقعدت قصادي، وقالتلي بصوت هادي يداوي كل الجروح اللي فاتت:— “تعبت النهاردة يا معلم.
. الله يقويك ويصلح حالك.”رفعت رأسي وبصيت في عينها.. الكلمة دي كانت بالنسبة لي أحسن من كل كنوز الدنيا. ابتسمت وقالت بثقة:— “أنا شفت السعي والتعب اللي بقالك شهور عايش فيه، وشفت إنك اتغيرت بجد وعرفت قيمة بيتك.
. الست يا معلم مش عايزه راجل معاه ملايين ولا عايزه تاخد حقه، الست محتاجة تحس إن اللي معاها راجل حقيقي، بيحميها وبيصونها وما بيستغفلهاش ولا يبيعها عشان نزوة. أنت أثبت لي إنك اتعلمت الدرس، والصفحة القديمة دي أنا طويتها للكتف، والنهارده بنبدأ على نظافة.
“ساعتها حسيت إن جبل كان متشال من على صدـ,,ـــري واتزاح. مسكت إيدها، ولأول مرة من زمان حسيت إن كرامتي ورجولتي رجعولي بجد.. مش بالفرض ولا بالسيطرة الكدابة، لكن بالمسؤولية والأمانة. عرفت ساعتها إن الدرس كان قاسي أوي، بس كان لازم أتعلمه: إن البيت ما بيتبنيش بالخسة ولا بالطمع، وإن الست الأصيلة الذكية لما تسامح بعد كسر، بتبني معاك بيت أمتن وأقوى من الأول ألف مرة.




