الرجوع من الموت ندي الجمل 1

آخر أسبوع في حملي، كنت بعد الأيام واحدة واحدة، ومستنية اللحظة اللي أشيل فيها ابني بين إيديا.
البيت كان كله هدوم أطفال صغيرة، وسرير البيبي جاهز، وحتى شنطة المستشفى كنت مجهزاها وحطاها جنب باب الأوضة.
كنت حاسة إن حياتي أخيرًا بدأت تضحكلي.
جوزي كريم، اللي طول عمره عصبي ومشغول في شغله، بقى في الفترة الأخيرة هادي بشكل غريب.
كل يوم يرجع ومعاه حاجة للبيبي.
مرة لعبة.
ومرة بطانية.
ومرة يقعد يحط إيده على بطني ويبتسم.
لدرجة إني بدأت ألوم نفسي على كل مرة شكيت فيه.
كنت فاكرة إنه اتغير.
لكن الحقيقة…
كان بيمثل.
في صباح يوم الجمعة، صحيت على صوته.
“اصحي يا ندى… يلا البسي بسرعة.”
فتحت عيني وأنا مستغربة.
“خير؟”
ابتسم وقال:
“هنخرج يوم نغير فيه جو قبل الولادة.”
ضحكت وقلت:
“وأنا في الشهر التاسع؟”
رد وهو بيقرب يقبل راسي:
“الدكتور قالك الحركة مفيدة، وبعدين المكان قريب، هنرجع بالليل.”
في الأول رفضت.
لكن فضل يقنعني أكتر من نص ساعة.
قال إنه حجز مكان حلو، وإنه نفسه يقضي معايا يوم بعيد عن ضغط الشغل قبل ما البيبي ييجي.
وافقت في الآخر.
مكنتش أعرف إن دي كانت أسوأ موافقة أخدتها في حياتي.
لبست، وخدت شنطتي الصغيرة، ونزلنا.
وأول حاجة لفتت نظري…
إن كريم كان ساكت.
ساكت بطريقة غريبة.
لا بيشغل أغاني زي كل مرة.
ولا بيهزر.
ولا حتى بيبصلي.
كل تركيزه كان على الطريق.
حاولت أفتح كلام.
“هنروح فين؟”
رد من غير ما يبصلي:
“هتعجبك.”
قلت وأنا بضحك:
“طب قولي.”
رد باقتضاب:
“لما نوصل.”
السكوت رجع بينا تاني.
كنت كل شوية أبص عليه.
ملامحه كانت جامدة.
كأنه شايل هم الدنيا.
قلت يمكن مشاكل الشغل.
هو أصلًا كان صاحب شركة تشطيبات، والفترة الأخيرة كان بيشتكي إن السوق واقف.
لكن عمره ما كان بيحكيلي التفاصيل.
كان دايمًا يقول:
“سيبيها على ربنا.”
بعد حوالي ساعتين، وصلنا لوادي الريان.
المكان كان هادي جدًا.
عدد الناس قليل.
والهوا نضيف.
نزلنا من العربية، وفضلنا نتمشى شوية.
حسيت بتعب.
قلتله:
“خلينا نقعد شوية.”
رد بسرعة:
“لا… تعالى بس أشوفك منظر هيعجبك.”
مشيت وراه.
كل خطوة كنت بحسها تقيلة بسبب الحمل.
لكن كنت بضحك معاه.
كنت فاكرة إنه بيحاول يفرحني.
وصلنا لحافة مرتفعة.
المنظر كان جميل.
قال:
“تعالي بصي من هنا.”
قربت بحذر.
وقفت أبص على المنظر.
وفجأة…
حسيت بإيده على ضهري.
ابتسمت وقلت:
“هتخضني؟”
لكن في نفس اللحظة…
الإيد دي اتحولت لدفعة بكل قوته.
صرخت.
“كرييييم!”
الأرض اختفت من تحتي.
فضلت أتقلب بين الصخور.
كل خَبطة كانت بتوجع أكتر من اللي قبلها.
لحد ما جسمي استقر على حافة صخرية ضيقة.
حاولت أتحرك…
صرخت من الألم.
إيدي الشمال كانت مكسورة.
وضلوعي كانت بتوجعني مع كل نفس.
حطيت إيدي على بطني بسرعة.
وأنا ببكي.
“يا رب… ابني.”
فضلت أحاول أتنفس.
وأقاوم.
وأمنع نفسي أفقد الوعي.
بعد كام دقيقة…
سمعت صوت خطوات فوق.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت لنفسي:
أكيد ندم… أكيد رجع ينقذني.
رفعت راسي بالعافية.
لكن اللي شوفته…
خلاني أتمنى إني كنت مت قبل ما أشوفه.
كان كريم واقف على الحافة.
وجنبه رانيا…
مديرة مكتبه.
الست اللي طول عمره يقولي إنها مجرد زميلة شغل.
سمعتها وهي بتبص لتحت وتسأله بخوف:
“إنت متأكد إنها ماتت؟”
بصلها، وضحك ضحكة عمري ما هنساها.
وقال بمنتهى البرود:
“من الوقعة دي؟ مستحيل تعيش.”
وسكت ثانية…
وبعدين كمل وهو بيبصلها بثقة:
“خلاص…
الخمسين مليون جنيه بقوا بتوعنا.”
في اللحظة دي…
فهمت إن الرحلة دي ما كانتش فسحة…
كانت حكم إعدام.



