حكايات صافي هاني 2

وقفت متسمرة في مكاني، وعيني متثبتة على شاشة التليفون اللي كانت لسه منورة بالرسالة. الكلمات كانت زي كرباج نزل على ظهري: *”الدوزة الأخيرة لازم تاخدها النهاردة يا أحمد وإلا الوصية هتتلغي والبيت هيروح لبسمة رسميًا يوم الولادة.”*
الوصية؟ البيت؟
كل حاجة في دماغي بدأت تترتب زي الكوابيس اللي كنت بشوفها وأصحى منها مفزوعة. البيت اللي بنعيش فيه، بيت جدي الله يرحمه، اللي أحمد قنعني أكتبله توكيل إدارة كامل ليه أول ما اتجوزنا بحجة إنه “بيحميني” من مشاكل الورث مع قرايبي! كان دايماً يقولي: *”إنتي طيبة يا بسمة وما بتفهميش في الأوراق والقضايا، سيبيلي البير وغطاه وأنا أحميكي”*.
أحمد لاحظ إن عيني جت على الرسالة. في ثانية واحدة، وش الصدمة اللي كان عليه تحول لوش واحد تاني خالص.. وش شيطان اتزنق في زاوية ضيقة. حاول يمد إيده بسرعة عشان يسحب التليفون من على الترابيزة، بس الظابط كان أسرع منه؛ مد إيده ومسك التليفون، وبص في الشاشة بعين فاحصة.
الظابط رفـع حاجبـه وبص لأحمد بنظرة كلها شك:
– “مين اللي بيبعتلك الرسالة دي يا دكتور؟ وإيه موضوع الوصية والدوزة ده؟”
أحمد ارتبك لأول مرة، وعروق رقبته نفرتش من الكتمة، بص للظابط وقال بصوت مبحوح بيحاول يخليه طبيعي:
– “يا فندم دي.. دي رسالة دعاية عشوائية! إعلانات بتيجي لكل الناس، إيه العلاقة أصلاً؟ وبعدين التليفون ده خصيصتي الشخصية، أنت معندكش إذن من النيابة لتفتيشه!”
حماتي اتدخلت بسرعة، وصوتها الناعم اتحول لنبرة حادة وناشفة وهي بتبص للظابط بثقة مزيفة:
– “يا حضرة الظابط، إحنا ناس محترمين وأحكام القانون عارفينها كويس. ابني دكتور كبير وله اسمه، والست دي – تقصدني أنا – من يوم ما حملت وهي عندها هلاوس ونوبات شك. الرسالة دي أكيد حاجة غلط أو حد بيبهزر، ما تضيعش وقتنا في كلام فارغ!”
الدكتورة نادية حطت إيدها على كتفي عشان تسندني، وقالت بصوت قوي وواضح هز الأوضة:
– “يا فندم، التليفون ده حرز في مسرح ج/ريمة. والرسالة بتتكلم عن (دوزة) يعني جرعة! والتحاليل اللي هدى الممرضة أخدتها على المعمل دلوقتي هي اللي هتحدد إيه الجرعة دي بالظبط. وأنا بدعي كطبيبة مشرفة على الحالة إن المريضة بتتعرض لمشروع ق/تل عمد أو شروع في إجهاض قسري لمآرب مادية!”
أنا كنت حاسة إن الأرض بتدور بيا. الحقيقة كانت أتقل من إن عقلي يستوعبها. الراجل اللي كنت بنام جنبه في سرير واحد، اللي كنت ببتسملو لما يجيبلي كوباية المية، اللي كنت بمسك إيده وأنا بخايف من صوت الرعد.. كان بيحسب أيامي بالجرعة! كان بيسقيني السم كل صباح في كوباية فضة، بابتسامة أمه المسمومة، عشان يجبرني أجهض أو أموت قبل ما أكتشف إن البيت حق شرعي ليا ولابني!
الظابط بص للمشهد كله، وبعدين حط التليفون في كيس بلاستيك شفاف وأشر للعسكري:
– “هات التليفون ده مع الأحراز. وتحفظ على الكوباية الفضة اللي على الترابيزة دي فوراً بحذر شديد.. ما حدش يلمسها بإيده.”
أحمد أول ما شاف العسكري بيقرب من الكوباية الفضة، جسمه اتشنج وصرخ بصوت عالي:
– “حدودك يا عسكري! الكوباية دي ما تلمسهاش!”
في اللحظة دي، حماتي عملت حركة ما حدش توقعها. رفعت شنطتها بسرعة عشان تخبط إيد العسكري وتوقع الكوباية على الأرض تتكسر وتكب المادة اللي فيها! بس فرد أمن العمارة كان واقف قمتها ومسك دراعها في الهواء قبل ما تلمس الكوباية.
الظابط زعق بصوت يهز المكان:
– “أنتِ بتعملي إيه عندك؟! حرزوا الكوباية دي فوراً! وهات الأستاذة والأستاذ على البوكس بره!”
أحمد بدأ يقاوم العساكر وهو بيتزعق ووشه بقى أحمر زي الدم:
– “بسمة! قوليلي إنك مش هتعملي كدة! ه تدمري بيتك بإيدك؟ ه تضيعي مستقبلي عشان أوهام؟ فكري في ابننا! فكري لما يكبر ويتقال إن أمه حبست أبوه!”
بصيتله.. النظرة اللي في عينيه ما كانتش خايفة عليا، ولا على الابن اللي في بطني. النظرة دي كانت خايفة على منظره، على البالطو الأبيض، على فلوس البيت، وعلى اللعبة اللي انفضحت قدام الناس.
جمعت كل القوة اللي فضلت في جسمي، ومسكت في فستاني الحامل، وقربت منه خطوة واحدة. كان بيني وبينه شبر واحد بس.
قلتله بصوت واطي، بس حاد زي الموس:
– “ابني مش هيتشرف بيك يا أحمد.. الكلمة اللي كنت بتقولهالي كل يوم، (حماية).. طلعت هي السجن اللي كنت بتدفنّي فيه بالحيا. إنت ما كنتش بتحميني.. إنت كنت بتقت/لني بالراحة.”
أحمد بصلي بغل غريب، عينيه ضاقت وقال بنبرة واطية مفيهاش أي رحمة:
– “مش هتلحقي تفرحي يا بسمة.. الورق اللي معاكي مالوش قيمة، والدكاترة أصحابي في المستشفى ه يثبتوا إنك مريضة نفسياً، والوصية إنتي ما تعرفيش عنها حاجة.. مش هتالعي بره العيادة دي وانتي كسبانة!”
الظابط زقه بقوة:
– “قدامي على بره من غير كلام كتير!”
سحبوا أحمد وحماتي لبره العيادة، والصوت بدأ يبعد بالتدريج، بين زعيق أحمد وشتائم حماتي للممرضة والأمن. العيادة فضيت فجأة، وما فضلش غير صوت التكييف العالي، ونبضات قلبي اللي كانت بتدق في ودني زي الطبول.
قعدت على الكرسي وأنا مش قادرة أرفع راسي. الدكتورة نادية جابتلي كوباية مية بيضا ونظيفة، وحطتها في إيدي.
– “اشربي يا بسمة.. إنتي آمنة دلوقتي.”
بصيت للكوباية بخوف شديد، وايديا كانت بترتعش لدرجة إن المية كانت بتدفق منها.
– “دكتورة.. أنا مش قادرة أثق في أي كوباية مية تاني.. أنا كنت بشرب السم من إيدهم كل يوم وأنا بقولهم شكراً!”
الدكتورة نادية قعدت قصادي، ومسكت إيدي الاتنين بثبات:
– “اللي حصل ده مش ذنبك. التلاعب النفسي اللي أحمد عمله عليكي اسمه سيطرة كاملة.. كان بيقفل عليكي البيوت ويمنعك من أهلك عشان ما تلاقيش حد يفتح عينيكي. بس دلوقتي الباب اتفتح، وإنتي لازم تكوني قوية عشان اللي في بطنك.”
– “هو قال إن التقرير الطبي بتاعي متوثق من شهور.. هل ممكن يخلوني مجنونة فعلاً؟ هل ممكن ياخدوا مني ابني؟”
الدكتورة ابتسمت بطمأنينة وقالت:
– “التقرير اللي بيتكلم عنه ده هينسحق أول ما تقرير الطب الشرعي ينزل. هدى الممرضة زمانها وصلت المعمل المركزي بالعينات، وعينة الدم والبول اللي أخدناهم منك ثبت فيهم وجود نسب عالية من مادة (الديجوكسين) أو مادة مشابهة بتسبب بطء في ضربات قلب الجنين وبتعمل هلاوس خفيفة للأم مع الوقت! دي مش أعشاب، ده مادة كيميائية مركزة. والقانون ما بيرحمش في الحاجات دي.”
فجأة، تليفون الدكتورة نادية رن.
بصت في الشاشة، ووشها اتحول للجدية فوراً. فتحت الميكروفون وسألت:
– “أيوة يا هدى.. وصلتي؟”
صوت هدى الممرضة جه من التليفون، بس ما كانش طبيعي.. كان صوتها مرعوب وببتنفس بصعوبة:
– “دكتورة نادية! الحقيني يا دكتورة!”
الدكتورة وقفت بسرعة:
– “في إيه يا هدى؟ العينات جرالها حاجة؟”
صوت هدى كان بيقطع وهي بتجري وفي صوت دوشة وزعيق وراها:
– “أنا أول ما نزلت من الباب الخلفي للعيادة، كان في عربية سودا متوقفة مستنياني! طلع منها اتنين رجالة، وسحبوا مني الشنطة بالقوة! أخدوا العينات يا دكتورة وجريوا!”
قلبي وقع في رجلي. وقفت من على الكرسي بصرخة مكتومة:
– “لأ! العينات لأ!”
الدكتورة نادية صرخت في التليفون:
– “خدوا الشنطة كلها؟ إنتي كويسة يا هدى؟”
هدى ردت وهي بتبكي:
– “أنا كويسة.. بس أخدوا شنطة الحفظ الحرارية وركبوا العربية وطاروا! أنا لحقت ألمح نمرة العربية بالعافية!”
الدكتورة نادية بصتلي وعينيها فيها شرار غضب:
– “أحمد ما كانش شغال لوحده.. ده كان عامل حسابه لكل خطوة! كان عارف إن العينات ممكن تخرج بره!”
مسكت بطني اللي كانت بتوجعني أكتر وأكتر، وحسيت بنقطة مية دافية بتنزل بين رجلي.. بصيت تحتيا بالرعب..
المية نزلت على الأرض.
الدكتورة نادية بصت للعينات اللي على الأرض ووشها اصفر:
– “كيس المية اتفتح! بسمة.. إنتي بتولدي في الشهر السابع!”
العيادة كأنها انقلبت في ثانية.. الصوت والدوشة، وصوت سيرينة إسعاف جديدة بتعدي من الشارع، وأنا واقفة في نص الأوضة، العينات اتسرقت، وأحمد في القسم بيحاول يثبت إني مجنونة، وجسمي قرر يبدأ الولادة المبكرة في أكتر لحظة أنا فيها لوحدي ومكسورة.
الدكتورة نادية صرخت على العمال:
– “جهزوا أوضة العمليات فوراً! افتحوا الأكسجين واستدعوا طبيب الأطفال الحضانة! بسرعة!”
مسكت في دراع الدكتورة نادية وأنا بصرخ من المغص الشديد اللي مسك في ظهري وبطني:
– “دكتورة.. ابني! احميلي ابني! ما تخليهمش ياخدوه مني!”
الدكتورة نادية بصت في عيني وقالت بثبات حاد:
– “أنا مش هسيب حد يلمس شعرة منك ولا منه يا بسمة.. بس إنتي لازم تعيشي عشان تحاربي معايا!”
دخلوني أوضة العمليات، الإضاءة البيضا كانت بتزغلل عيني، وصوت أجهزة المراقبة بدأ يصفر بانتظام متسارع. وأنا بنام على السرير والأطباء بيجهزوا للعملية القيصرية العاجلة، سمعت صوت الممرضة بتفتح باب الأوضة وتصرخ:
– “دكتورة نادية! في محامي بره جايب قرار تمكين ونقل مريضة باسم الدكتور أحمد منصور ومعاه أمن خاص واقفين بره العيادة وبيحاولوا يدخلوا بالقوة!”
… يتبع في الجزء الرابع …




