حكايات صافي هاني 4

صوت المحامي في التليفون كان بينقط سم ورعب، والجملة كانت عاملة زي الصاعقة اللي نزلت فوق راسي: *”أحمد هرب من المستشفى الاستثماري.. وأمه معاها أوراق ملكية البيت وأصل الوصية المزورة ومسافرين بره البلد خلال ساعات!”*
إبراهيم تليفونه وقع من إيده على الأرض من كتر الصدمة، وشاشته اتكسرت، ونفسه اتقطع وهو بيبصلي بعين مليانة خوف وقهر. يحيى ابني كان لسه في حضني، نايم بهدوء مش حاسس بحاجة بالدنيا اللي قايمة قاعدة حوالينا.
لمست راس يحيى بخفة، وحسيت بنار شاعلة جوه صدري. أحمد فاكر إنه هيعرف يهرب بذنبه، فاكر إن التانية الأخيرة هتبقى لصالحه! بس أنا مبقتش نفس الست الضعيفة اللي كانت قاعدة على سرير الكشف وخايفة تنطق بحرف. اللي ماتت جوه السجن اللي اسمه “حماية” ما رجعتش.. اللي طلعت مكانه واحدة تانية خالص، واحدة مستعدة تحرق الدنيا وما تخليش واحد زي ده ياخد منها ابنها أو بيتها!
بصيت لإبراهيم اللي كان واقف تايه، وقولت بصوت ناشف وثابت:
– “إبراهيم.. المحامي قال إنه هرب على فين؟ مطار إيه؟ ولا هما مسافرين بره براً ولا بحراً؟”
إبراهيم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مكسور:
– “الأستاذ سامح بيقول إنهم رصدوا حركة كروت ائتمان حماتك على طريق الإسكندرية الصحراوي.. شكلهم رايحين على ميناء أو مطار بره المحافظة عشان يهربوا بيخت أو طيران خاص!”
قومت من على السرير، وجرح الولادة وجعني وجع شديد خلى دمعة تنزل غصب عني، بس كملت وقوف وثبت رجلي على الأرض.
– “البس يا إبراهيم.. وكلم اللواء اللي كان متابع القض/ية في النجدة قوله إن أحمد منصور هارب ومعاه أوراق مزورة وخطره على الأمن العام، وإننا عارفين طريق هروبه على طريق إسكندرية الصحراوي!”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بهدوء، ودخلت الدكتورة نادية ومعاها ظابط الشرطة المسؤول عن تأمين المستشفى. الدكتورة بصتلي وقالت بلهفة:
– “بسمة! إنتي بتقومي ليه؟ الجرح لسه جديد خطر على حياتك!”
بصيت للظابط وقولت بصوت حاسم:
– “يا فندم.. جوزي أحمد منصور هرب من مستشفى الحجز، ومعاه أمه والأوراق المسروقة ورايحين يهربوا بره مصر. لو سبناه يفلت الساعات دي، مش هنشوفه تاني ولا هنعرف نرجع حقنا وحق ابني!”
الظابط بص للدكتورة نادية نظرة سريعة، وبعدين طلع جهاز اللاسلكي من جيبه وضغط على الزرار وقال بصوت صارم:
– “القوة اللي على طريق إسكندرية الصحراوي.. الكل يستعد! الدكتور أحمد منصور هارب في اتجاه الميناء، العربية نوعها كذا ورقمها كذا.. اقفلوا كل الكمائن فوراً ومحدش يفلت!”
قلت لإبراهيم بسرعة:
– “هات لي عبايتي وطرحتي.. أنا رايحة معاك.”
– “مستحيل يا بسمة! إنتي لسه والדה وجرحك بينزف!” إبراهيم صرخ فيا.
– “لو ما رحتش وشفت بايدي نهايته، مش مرتاح.. يحيى هيكون في حضانة آمنة هنا تحت حراسة الدكتورة نادية، وأنا مش هتحرك من غير ما أشهد النهاية!”
بعد أقل من نص ساعة، كنا قاعدين في عربية إبراهيم، ورا عربية شرطة بتجري بسرعة جنونية على طريق إسكندرية الصحراوي. الهوا كان بيخبط في زجاج العربية، والشمس كانت بتبدأ تغيب وتدي للدنيا لون أحمر غامق يشبه الدم. كنت باصة قدامي على الطريق، وعقلي بيراجع كل كلمة قالها أحمد، وكل مرة قال فيها “حماية”.. الكلمة اللي طلعت أكبر كدبة في عمري.
بعد حوالي ساعة ونصف من المطاردة العصبية، وصلنا عند الكيلو كام على طريق الساحل، وششفنا عربية سودا كبيرة واقفة على جنب الطريق، وحولها عربيتين شرطة قافلين عليها الطريق تماماً.
عربية الإسعاف والشرطة اللي كنا فيها وقفت بفزع. فتحت باب العربية ونزلت.. إبراهيم حاول يمسكني بس هربت من إيده ومشيت بخطوات ثابتة ناحية العربية السودا.
كان أحمد واقف بره العربية، مكتوف اليدين، والكلبشات في إيده، ووشه الأصفر مليان تراب وعرق، وعينيه طايرة من الخوف والجنون. جنبه كانت حماتي قاعدة على الأرض بتمسك في شنطتها السودا وتزعق بصوت عالي ومهستير:
– “ابعدوا عننا! إحنا دكاترة كبار! أنتوا ما تعرفوش إحنا مين!”
الظابط مسك أحمد وزقه قدامه عشان يركبه عربية البوكس، وفي اللحظة دي.. أحمد رفع عينيه وشافني وانا جاية من بعيد، لابسة عباية سوداء، وواقفة قدامه بثبات مفيش فيه نقطة خوف واحدة.
وقف مكانه، وبصلي بصرة مكسورة ومهزومة، وقال بصوت مبحوح:
– “بسمة.. سبيني أمشي.. سبينا نخلص، أنا أبو ابنك.. حرام عليكي تضيعي عمري!”
وقفت قدامه، وعلى بعد خطوة واحدة بس.. بصيت في عينيه اللي كانت دايماً بتبصلي بتعالي وقسوة، وقولت بصوت هادي وقوي خلى الكل يسكت:
– “أنا كنت فاكرة إنك بتحميني يا أحمد.. بس طلعت أكتر إنسان هددني في دنيتي. ابني عيش وبقى في الدنيا، وأنت رايح المكان اللي زيك وزي أمك المفروض تقعدوا فيه للأبد.. السجن.”
أحمد فتح بقه عشان يرد، بس العسكري زقه بعنف وركبه عربية البوكس وقفل الباب الحديد عليه. حماتي ركبوها العربية التانية وراها، والشنطة اللي فيها أوراق البيت والوصية المزورة اتسحبت في إيد ظابط الأدلة الجنائية كحرز قاطع لا جدال فيه.
وقفت في نص الطريق، الهوا خبط في وجهي، ولأول مرة من سنين طويلة حسيت إني بتنفس بعمق.. من غير خوف، من غير قيود، ومن غير كلمة “حماية” تكبّل روحي.
رجعت على المستشفى مع إبراهيم، ودخلت أودية الحضانة. لقيت يحيى نايم جوه الصندوق الزجاجي الصغير، بيتنفس بهدوء وبيديه الصغيرة بيتحركوا في الهواء كأنه بيرحب بيا بعد الفجر الجديد.
فتحت باب الحضانة بحذر، ومديت إيدي، وشيلت يحيى وحطيته على صدري.
دموع الفرحة نزلت على وشي، بس المرة دي كانت دموع طهارة وراحة.
بصيت لعيون ابني الصغيرة وقولت بصوت هادي:
– “خلاص يا حبيبي.. ملكنا الدنيا، ومبقاش فيه خوف.. أنا أمك، وأنا اللي هحميك بجد.”
… تم بححمد الله …




