انا وجوزى سافرنا قطر كل فلوسنا كان بيجبلى بيها دهب ايام نزلت أنا وبناتى لما نزلت خوفت اسيب الدهب فى شقتى لانه بيت عيله شيلته عند امى أمانه بعد سنه جوزى نزل وارتاح قال هنبيع الدهب ونفتح مشروع هنا ونستقر فى بلدنا مصر قولت انا شايله الدهب عند أمى راح قالى نروح نسلم عليها ونجيب دهبنا روحت انا وجوزى ولسه جوزى بيقولها قومى ياحجه هاتى الدهب بتاعنا وشها راح الوان وقالتله أسكت انا خوفت عليه وشيلته عند أبنى راح جوزى قالى أتصلى على اخوكى وقوليله عاوزين الدهب المصيبه بقى أن اخويا بيقول الدهب اتسرق وخوفنا نقولكم وعملنا محضر سرقه وتقدروا تروحوا تشوفوا المحضر رد جوزى وقال نعم دهب ايه الى اتسرق ده انهارده يعدى3مليون جنيه شقا اربع سنين انا ومراتى البدايه خرجنا من قطر وأنا حاسة إن أخيرًا التعب والمال الحلال اللي اتجمع بالحبة هيتوج ببيت هادي ومستقر في مصر. أربع سنين غربة، أربع سنين طحن ومرمطة، جوزي يسهر للصبح في شغله، وكل ريال يفيض مننا نحوله لجنيهات وسبائك دهب ونشيلها. كان كل ما يشتريلي غويشة أو سبك يقولي: “ده شقانا يا أمل.. ده أمان بناتنا لما نرجع.” لما قامت الأحداث في البلد هناك وخفت على البنات، أخدت حظي ونزلت بيهم على مصر. نزلت بيتي، بس الشقة كانت في بيت عيلة، وداخلاها وطالعاها ناس كتير، وخفت على الدهب يضيع أو يتسرق في وسط الخبصة دي. ملقيتش حتة أمن ولا أحن من بيت أمي.. أخدت الشنطة القماش الصغيرة اللي فيها شقا العمر كله، شلتها في إيدها وقلتلها: “يا أمي، ده شقايا أنا وصالح.. شيليه عندك أمانة لحد ما صالح ينزل ونشوف هنعمل إيه.” أمي أخدت الشنطة وضمتها لصدرها وحلفتلي إن الدهب في عينها. مرت سنة كاملة.. سنة أكلت من أعصابنا لحد ما صالح أخيرًا نزل مصر. كان نازل مهدود من الغربة، بس أول ما حط رجله في البيت، ابتسم ابتسامة عريضة وقال: “خلاص يا أمل.. الغربة خلصت. هنبيع الدهب، نشتري حتة أرض ونفتح مشروعنا، ونعيش وسط بناتنا مرفوعين الراس.” قلتله بابتسامة طالعة من قلبي: “الدهب في الحفظ والصون عند أمي يا صالح، نزلت شلته عندها من أول يوم عشان أكون مطمنة.” صالح قام وهو مبسوط وقال: “طب يلا بينا.. نسلم على الحجة، وناخد دهبنا ونبدأ على بركة الله.” دخلنا بيت أمي، الضحكة كانت مالية وش صالح، وبعد ما سلم وقعدنا، قال بفضول ومرح: “قومي بقى يا حجة هاتيلنا الدهب بتاعنا عشان عاوزين نعده ونشوف هنبدأ المشروع إزاي.” في اللحظة دي.. الضحكة اختفت تمامًا من وش أمي. ملامحها اتغيرت، لونها خطف وبقى زي الميتين، وشفايفها بقت ترتعش. بصتلي برعب وقالت وهي بصوت مخنوق وواطي: “اسكت يا صالح.. اسكت يا ابني الله يخليك..” أنا قلبي هبط في رجلي، وصالح اتعدل في قعدته ونظرة الفرحة اتحولت لشك ورعب: “في إيه يا حجة؟ يعني إيه اسكت؟ فين الدهب؟” أمي بلعت ريقها بالعافية وقالت وهي بتهرب بعيونها مننا: “أنا.. أنا خفت عليه لما الشقة تحت اتجددت.. فشيلته عند أخوكي حسام فوق في شقته.. هو أأمن.” صالح بصلي بغضب مكتوم، وبعدين طلع تليفونه ومسكه بثبات يرعب، وقال بصوت حاد زي السكينة: “اتصلي بـ حسام أخوكي يا أمل.. قوليله ينزل فورًا بالدهب.” إيدي كانت بترتعش وأنا بمسك التليفون. اتصلت بـ حسام، وزمانه حاسس بنبرة صوتي.. دقايق وكان نازل. أول ما دخل الشقة، عينيه جت في عين صالح، وكان باين عليه التوتر. قبل ما صالح ينطق، حسام حط إيده في جيبه وقال ببرود مرعب ووش ملوش أي تعبير: “الدهب اتسرق يا صالح.. الشقة عندي اتكسرت من ست شهور والدهب اتسرق ضمن الحاجات اللي اتسرقت.” أنا صرخت بدون ما أحس: “إيه؟! اتسرق إزاي؟! وأنا ليه محدش قال لي؟!” حسام كمل بنبرة ثابتة ومستفزة: “خفنا نقولكم في الغربة تقلقوا وتتعبوا.. وأنا عملت محضر في القسم وقتها، وتقدروا تروحوا تشوفوا المحضر بنفسكم.. القانون موجود.” صالح قام وقف، جسمه كله كان بيتنفض من الصدمة والغضب، عيونه كانت بتطلع شرار وهو بيبص لحسام ولأمي اللي كانت مخبية وشها بين إيديها. قرب من حسام خطوة واحدة وصوته هز أركان البيت: “نعم؟! دهب إيه ده اللي اتسرق يا روح أمك؟! دهب إيه اللي خايفين تقولولنا عليه؟! الدهب ده النهاردة يعمل أكتر من ٣ مليون جنيه! ده شقا أربع سنين غربة.. أربع سنين طحن وحرمان أنا ومراتي عشان في الآخر تقولي اتسرق وعملت محضر?!” حسام وقف قصاده بكل ثبات وقاحة وقال: “جرى إيه يا صالح؟ بتتهمني يعني؟ المحضر في القسم، روح اسأل المباحث!” #الكاتب_رومانى_مكرم_ صالح بصلنا كلنا، ونظرة عينيه اتغيرت تمامًا.. مابقتش شايف جوزي الحنين اللي أعرفه، بقت عيون واحد خسارة عمره كلها قدامه ومش باقي على حاجة. قرب مني ومسكني من دراعي بقوة وقال بأسنان مطحونة: “قومي معايا يا أمل.. قومي يا بنت الأصول عشان شكل الحساب بيني وبينك وبين أهلك يلا هيبدأ النهاردة!” صالح خطى خطوتين ناحية الباب، وفجأة خطواته تقلت، إيده اللي كانت ماسكة دراعي ترخت، وعينيه زغللت وهو بيبصلي بنظرة عجز وكسرة عمرها ما دخلت عينيه.. وقبل ما ألحق أسنوده، حسيت بجسمه كله بيهوي زي الشجرة المقطوعة، ووقع بطوله على الأرض ساكت وزي الميت! صالح وقع على الأرض زي القتيل، وشي اتقطع منه الدم وأنا برمات نفسي جنبه، بصرخ وبضرب على وشي بحست كبدي: “صالح! رد عليا يا صالح! حبيبى أوعى تسيبني!” صرختي شقت سكون الشارع كله، صرخة طلعت من جحيم جوة صدري وأنا شايفه الجبل اللي كنت بتسند عليه مكوم على الأرض بين إيديا، من غير حركة، وشه أصفر زي الورق الناشف وشفايفه أزرقّت في ثواني. أمي سابت مكانها وجت تجري وهي بتلطم على وشها: “يا مري! الراجل مات في إيدينا! يا لهوي يا صالح!”، وحسام أخويا كان واقف مكان متسمر، ملامحه اللي كانت مبينة البرود والتبجح ات هزت لحظة، بس عينيه كان فيها نظرة خوف مش على صالح.. خوف من اللحظة اللي الدنيا تتقلب فيها عليه. “أقفو اتفرجوا عليا!” صرخت في حسام بصوت تقطع من الدموع: “شييل معايا! شيل جوزي الله يخرب بيوتكم كلكم! لو جراله حاجة مش هسيبك يا حسام.. والله ما هسيبك!” حسام قرب بلهفة مرتبكة، وشال معايا صالح وخرجنا بيه للشارع زي المجانين. الشارع كان هادي، صرخي لم الناس، وواحد من جيراننا فتح باب عربيته وبسرعة شيلنا صالح وحطيناه في الكنبة الوراانية. ركبت جنبه، حاطة رأسه في حضني، إيدي بتترعش وهي بتلمس جهته السخنة، وببوس إيديه اللي اتشققت من الشقا في قطر عشان يجمع جنيه على جنيه. كنت بكلمه وبترجاه: “عشان خاطري يا صالح.. عشان خاطر البنات اللي ملهمش غيرك في الدنيا، فتح عينك، توغور الفلوس، يغور الدهب، يغور كل حاجة بس أنت تفضل واقف على رجلك.. يا رب يا رب ما تحرمنيش منه.” وصلنا المستشفى، وبسرعة الدكاترة والتمريض جم يجروا بالترولي، زقوا صالح ودخلوا بيه الأوضة، والباب اتفل في وشي. وقفت ورا الباب الزجاجي، عيني مش مفارقة أجهزة القلب اللي بدأت تطلع أصوات منتظمة ومرعبة في نفس الوقت. حسام كان واقف بعيد، حاطط إيده في جيبه وساند ضهره على الحيطة، بيحاول يبان متماسك، وأمي قاعدة على الكرسي بتبكي بقلة حيلة. بعد حوالي ساعة من أطول ساعات حياتي، خرج الدكتور وهو بيمسح عرقه. جريت عليه وأنا ماسكة في قميصه: “طمني يا دكتور! صالح جوزي جراله إيه؟” الدكتور بصلي بنظرة فيها أسى وقال: “الحمد لله لحقتوه في آخر لحظة.. الزعل والضغط العالي أدى لجلطة حادة في الشريان التاجي، مع هبوط حاد في الدوره الدموية. إحنا أديناه أدوية لإذابة الجلطة ونقلناه الرعاية المركزة، بس الوضع حرج.. الـ 48 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا كل حاجة. أهم حاجة أصلًا إن الصدمات والنكد يبعدوا عنه تمامًا لو قام بالسلامة.” الكلام نزل عليا زي الصاعقة. جلطة؟! صالح اللي كان أطول وأقوى راجل بشوفه، الشدة هدته في ثانية. لفيت وشي ولقيت حسام واقف ورايا، عينيا تقابلت مع عينيه، ولقيت في عينه نظرة مريبة.. مش نظرة زعل على جوز أخته، ولا ندم، كانت نظرة ترقب وتفكير في اللي جاي! قربت منه خطوة، وصوتي كان واطي بس مسموم بالوجع: “مرتاح كدة؟ شقا الراجل اللي غرق فيه 4 سنين طار في لحظة، وهو بيموت جوة بسبباك أنت وأمي.. أنت عارف يا حسام لو صالح جراله حاجة، أنا مش هسيبك.. والدهب ده لو أنت اللي أخدته والله العظيم لأحابسك بالقانون وأفضحك قدام الدنيا كلها.” حسام قرب مني ووشه اتغير للشر، وبصلي بثبات يقشعر له البدن: “لمي لسانك يا أمل، واعرفي أنتِ بتتكلمي مع مين! أنا أخوكي الكبيل، والدهب اتسرق ومحضر السرقة موجود في القسم ورقم المحضر معايا.. عاوزة تروحي القسم تتهمني؟ روحي! بس افتكري إنك ساعتها بترميني في السجن وبتهدي بيت عيلتك، وأمي مش هتحمل الكلام ده وتفطس في إيدنا هي كمان. والدهب لو رجع أو مرجعش، المحضر بيحقق، ومفيش دليل إن معايا حاجة.” في اللحظة دي، حسيت إني بين نارين. نار جوزي اللي راقد بين الحياة والموت بسببي وبسبب ثقتي الغبية في أهلي، ونار أخويا وأمي اللي ظاهرهم قلة حيلة وباطنهم خيانة تقطم الضهر. أمي جيلت عليا ومسكت إيدي وهي بتبكي: “سامحيني يا أمل.. والله يا بنتي أنا أخدت الشنطة منه وشيلتها عنده لما شقته اتفتحت عشان الشقة تحت كان فيها عمال.. معرفش إن الدنيا هتتوصل للكدة، أخوكي حلفلي إن الشقة اتكسرت والدهب اتسرق.. أعمل إيه بس يا ربي؟” بصيت لأمي ونفضت إيدها بكسرة: “أنتِ اللي ضيعتينا يا أمي.. أنتِ اللي اديتيله شقايا وشقا جوزي على طبق من دهب.. شقا أربع سنين غربة ضاع عشان طبطبتك عليه ودلعك ليه!” مرت ليلتين وأنا قاعدة على الكرسي الحديد برة الرعاية المركزة. مكنتش بدوق النوم، ولا يدخل بؤي نقطة مية. البنات كانوا عند جارتي في الشقة، وكل شوية يكلموني في التليفون: “بابا فين يا بابا؟ هو صالح نزل عشان يفسحنا ولا هيسافر تاني؟” وكنت ببلع دموعي وأقولهم: “بابا جاي يا حبايب قلبي.. بابا بس بيخلص شغل وجاي.” في اليوم التالت، الدكتور سمحلي أدخل لصالح الرعاية لدقايق. دخلت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني. صالح كان راقد، الأجهزة متوصلة بجسمه، ووشه دبلان وجفونه مقفولة. قعدت على الكرسي جنبه، ومسكت إيده الباردة وحطيتها على خدي. “صالح.. حبيبى.. قوم عشان خاطري.” همست بصوت مبشوح: “قوم وأنا أوعدك مش هسيب حقك.. والله العظيم لو الدهب ده تحت الأرض هجيبه، بس قوم وقف على رجليك. البنات ملهمش غيرك.. أنا غلطت لما وثقت في غيرك، وغلطت لما أمن أهلي على شقاك.. قوم وسامحني يا صالح.” صالح حرك صوابعه بالبطء، وجفونه اترعشت، وبعدين فتح عينيه ببطء شديد. عينيه كانت تاهية في السقف، وبعدين لفت وبصتلي. كان في عينيه حزن وكلام كتير مش قادر يقوله. شفايفه تحركت بصعوبة وصوت طالع بالعافية: “الـ… الدهب يا أمل.. شقايا..” دموعي نزلت بغزارة وبست إيده: “يغور الدهب يا صالح.. يغور كل جنيه، المهم أنت تقوملي بالسلامة.” صالح غمض عينيه بتعب، ونزل منها دمعة حارة حرقت قلبي، وقال بصوت مكتوم: “أنا اتقطعت يا أمل.. الغربة قطعت فيا، وأهلك كسروني.. أهلك أخدوا عرق أربع سنين ورموني في الشارع.. مش هسامح.. مش هسامح حد.” الكلمات دي كانت زي السكاكين بتدبحني. خرجت من الرعاية وأنا متخذة قرار. مش هقف أتفرج وأنا شايفة جوزي بيموت بحسرته، وأخويا عايش حياته وبيتمتع باللي مش حقه. خرجت من المستشفى وركبت توكتوك ورحت مباشرة على قسم الشرطة. دخلت القسم وأنا قلبي بيلتعد من الخوف، بس قسوة الموقف قتلت الخوف جوايا. طلبت أقابل رئيس المباحث، وبعد انتظار دخلت مكتبه. كان المقدم أحمد قاعد ورا مكتبه، زابط صارم بس ملامحه هادية. “خير يا مدام.. في إيه؟” سألني وهو بيبص لوشي المجهد ودموعي. قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة من الأول.. من أول قطر، والسبائك والغوايش، والشنطة القماش اللي سلمتها لأمي، ولما صالح نزل والخبر اللي صدمنا، لحد ما صالح وقع بجاطة وراقد في المستشفى بين الحياة والموت. المقدم أحمد سمعني باهتمام وهو بيكتب ملاحظات. لما خلصت، بصل وقال: “أخوكي حسام فعلاً عمل محضر سرقة لشتقته من ست شهور.. والمحضر اتسيد ضد مجهول لأن مفيش آثار كسور صريحة على الباب الخارجي، وهو قال في المحضر إن شقته اتسرق منها مشغولات ذهبية ومبلغ مالي.” بصيتله بذهول: “مفيش آثار كسر؟! يعني هو اللي فتح الشقة ولا إيه؟” المقدم أحمد سكت شوية وبعدين قال بذكاء: “أنا مأقدرش أتهمه رسمياً دلوقتي من غير دليل، بس كلامك يفتح شكوك كتير. محضر السرقة ده ممكن يكون محضر كيري اتعمل عشان يغطي على أخذ الدهب، خصوصاً إن المكان اللي كان فيه الدهب معروش غير لأهل البيت.. لكن القانون بيتعامل بالأدلة يا مدام أمل. هل معاكي أوراق تثبت ملكيتك للدهب ده؟ فاتورات؟ أرقام سبائك؟” قلت بسرعة: “أيوه! معيا الفواتير كلها من الصاغة في قطر ومصورة السبائك بالبارکود والأرقام التسلسلية بتاعتها في تلفوني وخاطاها في البيت!” عيون المقدم أحمد لمعت وقال: “ممتاز.. الأرقام التسلسلية للسبائك دي هي اللي هتجيبه لو كان تصرف فيها أو حاول يبيعها. السبائك المرقومة بتتسجل في الصاغة، ولو دخلت أي محل يتأكد من مصدرها.. هاتيلي الفواتير فوراً وأنا هفتح التحقيق من جديد وهطلب حسام للاستجواب.” رجعت البيت أجري، طلعت الفواتير والملفات اللي كنت محتفظة بيها من قطر، وأخدت صور السبائك وأرقامها، ورجعت للقسم وسلمتها للظابط. في نفس اليوم بالليل، العسكري خبط على باب بيت أمي وطلب حسام يروح القسم فوراً بناءً على طلب رئيس المباحث. أمي اتصلت بيا وهي بتصرخ وتولول: “عاجبك كدة يا أمل؟! بتبلغي عن أخوكي؟ عاوزة تسجنيه؟ ده أخوكي سندك لما صالح يموت ولا يجراله حاجة!” رديت عليها بصوت ناشف خالي من أي رحمة: “أخويا هو اللي دمر بيتي ودبح جوزي! أخويا لو أخد الدهب يبقى سارق، والسارق مكانه السجن يا أمي! وصالح مش هيموت، صالح هيقوم وهياخد حقه بالقانون لو أنتوا نسيتوا ربنا!” قفلت الخط في وشها ورحت على القسم. كنت واقفة برة مكتب المباحث، وسمعت صوت حسام وهو بيكلم الظابط بتوتر ملحوظ. “يا فندم المحضر قديم وأنا بلغت ساعتها! أختي وجوزها جايين يتبلوا عليا عشان الفلوس راحت عليهم في السرقة!” كان حسام بيزعق وبيحاول يداري خبيثه. خرج المقدم أحمد بعد فترة وبصلي وقال: “حسام مصمم على كلامه، وبصمات الشقة في المحضر القديم كانت متسجلة ضد مجهول. بس أنا وزعت أرقام السبائك التسلسلية على كبار تجار الدهب في الصاغة ومباحث التموين.. لو السبايك دي ظهرت في أي مكان في مصر، هتوصلنا للي باعها.” مر أسبوع كامل.. أسبوع كان أتقل من الجبال. صالح بدأ يتحسن ببطء، خرج من الرعاية المركزة ودخل أوضة عادية، بس كان ساكت تماماً. مابيتكلمش، مابيبتسمش، وبصاته ليا كانت مليانة عتاب ومرارة مابتتفهمش. كل ما أدخل الأوضة، يحول وشه للحيطة. كنت بقعد جنبه وأمسك إيده، يشد إيده ببطء وينسحب. الضربة مكنتش بس في الفلوس، الضربة كانت في الثقة اللي اتدمرت بيني وبينه. وفي يوم، وأنا قاعد جنب صالح في المستشفى، تليفوني رن. كان رقم القسم. رديت بلهفة: “أيوة يا فندم؟” صوت المقدم أحمد جه عبر التليفون، وكان حاسم ومباشر: “تعالي فوراً يا مدام أمل على القسم.. مسكنا الخيط، والسبائك ظهرت!” قلبي دق بسرعة مرعبة. بصيت لصالح، ولقيته باصصلي وعينيه أتسعت لما سمع كلمة “السبائك”. “صالح.. السبائك ظهرت! الظابط طالبني في القسم!” قلتها وأنا شفايفي بترتعش. صالح اتعدل ببطء على السرير، وجسمه كان بيترعش، وصوته خرج بصعوبة بس بجدية حادة: “أنا جايلك يا أمل.. مش هتقعدي هناك لوحدك.. أنا جاي أمتلك حقي.” الدكاترة اعترضوا، بس صالح أصر وركبنا عربية تكسي ورحنا على القسم. دخلنا مكتب المقدم أحمد، صالح كان ماشية بالعافية وساند عليا وعلى عكاز بسيط، بس عينيه كانت فيها نار أمل جديدة. المقدم أحمد رحب بينا وقعدنا، وبعدين طلع من الدرج كيس بلاستيك شفاف.. كان فيه سبكوتين دهب لمعتهم خطفت عينيا فوراً! “دول سبكوتين من السبائك بتاعتكم يا مدام أمل.. البارکود والأرقام التسلسلية مطابقة تماماً للفواتير اللي سلمتيهالي.” قال الظابط وهو بيبصلنا بثبات. صالح مسك الكيس وإيده بترتعش، وعينيه أملت دموع، وقال بصوت مخنوق: “الحمد لله يا رب.. لقيتم فين يا فندم؟ مين اللي كان بيبيعهم؟” المقدم أحمد سند ضهره وقال بابتسامة خبيثة: “محل دهب كبير في الصاغة بلغنا إن في شخص جه يحاول يبيع السبكوتين دول بسعر أقل من السوق شوية ومن غير فواتير، ولما التاجر استعلم عن الأرقام التسلسلية لقيها متسجلة عندنا كـ مسروقات، فثبته وبلغنا والشرطة قبضت عليه في الحال.” أنا وصالح بصينا لبعض بلهفة، وصالح سأل بصوت مرتجف: “مين يا فندم؟! مين الواطي ده؟” الظابط سكت لحظة، وبص في الملف اللي قدامه، وبعدين رف عينيه وبصلنا وقال الكلمة اللي نزلت علينا زي زلزال دمر كل حاجة باقية: “الشخص اللي كان بيبيع السبائك مقبوض عليه برة في الحجز دلوقتي… وهو مش أخوكي حسام يا مدام أمل.” أنا وصالح اتصدمنا، وصالح قال بذهول: “مش حسام؟! طب مين؟!” المقدم أحمد كمل ببرود يقشعر له البدن: “المقبوض عليه هو… زوج أختك التانية، وفي اعترافاته الأوليّة قال إن الدهب ده مأخدهوش بكسر ولا سرقة.. قال إنه مستلمه من إيد أختك الكبيرة وشخص تاني من العيلة عشان يبيعوه بالتدريج ويقسموا الفلوس مع بعض!” “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”