رومانى 2

قفلت الخط في وشها، وحسيت إن كل خطوة باخدها بتبني جدار بيني وبين الماضي الخسيس ده.

لكن الأحداث أخذت منحنى أشد وأقسى. بوسي، اللي كانت فاكرة إنها كسبت المولد وركبت العز، اتفاجأت إن أهلها بيمارسوا عليها ضغط رهيب عشان تتطلق من إبراهيم بعد ما بقى محبوس ومفلس. بوسي راحت للنيابة وقدمت شهادة ضد إبراهيم، أكدت فيها إن إبراهيم قال لها بعظمة لسانه إنه استغل غياب شيماء واستولى على التحويلات البنكية عشان يبني العمارة ويتجوزها بيها، وإنها مكنتش تعرف إن الفلوس دي فلوس حرام ونصب!

الشهادة دي كانت المسمار الأخير في نعش إبراهيم. النيابة حولت قضية خيانة الأمانة والنصب والاستيلاء على أموال الغير إلى محكمة الجنايات.

مرت شهرين، وجاء موعد جلسة الجنايات.

القاعة كانت مليانة على أخرها. أهل إبراهيم قاعدين في الصالة يبكوا، وبوسي قاعدة مع أخيها بعيد مش راضية تبص ناحية عائلته. وأنا كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة رسمية أنيقة، واثقة في نفسي، وحوليا أخويا ومحاميّ.

دخل إبراهيم قفص الاتهام. كان شكله يكسر القلب لو كان يستحق الشفقة.. جسمه نزل النصف، شعره شاب، والكلابشات في إيده. أول ما عينه جت في عيني، خفض رأسه للأرض في خزي غير طبيعي. مكنش قادر يرفع عينيه في عين المرأة اللي حافى عشان يسرقها، ورجع يدور على رحمة مش سيجدها.

وقف ممثل النيابة العامة وألقى خطبة تزلزل القاعة، وصف فيها إبراهيم بـ “الخائن للأمانة، المستغل لزوجته المكافحة التي غربت نفسها وأكلت العيش الناشف لتبني بيتاً، فاستغل طيبتها وغيابها وسرق جهود سنين عمرها ليُرضي طمعه وأهواءه”.

وبعد مداولة استمرت ساعتين، خرج رئيس المحكمة ونطق بالبند القاسي:

“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، بمعاقبة المتهم إبراهيم عبد الحميد الزيني بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية النصب وخيانة الأمانة. ثانياً، إلزامه برد كافة المبالغ المتبقية للزوجة المدعية وشطب كافة حقوقه. ثالثاً، إحالة القضايا الفرعية للنيابة العامة”.

القاعة اتصدمت.. صراخ أمه وأخواته ملأ المكان، وإبراهيم وقع على ركبتيه جوة القفص وهو بيصرخ: “شيماء! سامحيني يا شيماء! والله مظلوم! سامحيني!”

بصيت له بكل ثبات، وما تهزتش فيا شعرة واحدة. مشيت ناحية القفص، وقفت قدامه والحديد بيني وبينه، وقلت له بصوت واطي ومسموع له وحده:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *