انت وسيم اوى

عليا؟
مش هتدور عليكِ.
دخلت الاجتماع.
استمر ثماني عشرة دقيقة فقط.
لكن عند الدقيقة الحادية عشرة، بدأ إحساس غريب ينتابني.
إحساس الأم الذي لا يحتاج إلى دليل.
وعند الدقيقة السادسة عشرة، كنت أعرف.
ابنتي لم تعد في مكتبي.
وبمجرد انتهاء الاجتماع، اندفعت إلى الممر.
ثم سمعت صوتًا لم أسمعه من قبل.
أحمد الدمنهوري يضحك.
كان الصوت قادمًا من الجناح التنفيذي.
ضحكة دافئة وحقيقية، خالية تمامًا من بروده المعتاد.
استدرت عند زاوية الممر
وكادت أن تتوقف أنفاسي.
كانت ملك واقفة أمامه مباشرة.
وكان أحمد منحنياً لمستواها، يضع إحدى يديه أمام فمه محاولًا إيقاف ضحكته.
ثم أشارت ملك إليه بإصبعها وقالت بثقة
إنت وسيم أوي.
ثم أضافت
وطويل كمان. وأنا بحب الناس الطوال.
توقفت لحظة.
ثم قالت الجملة التي تمنيت بعدها لو أن الأرض انشقت وابتلعتني
عشان كده لازم تبقى بابايا.
ملك!
التفتت إليَّ بسعادة.
هاي يا ماما! أنا لقيت صاحب جديد.
حدقت فيها وأنا أحاول استيعاب الكارثة.
إنتِ فاكرة أنا قلتلك إيه قبل ما أدخل الاجتماع؟
وقبل أن تجيب، وقف أحمد ببطء.
اختفت الضحكة من وجهه.
ثم تحولت عيناه الرماديتان إلى عينيَّ.
وفجأة، أصبح الممر كله صامتًا.
نظر إلى ملك مرة أخرى، ثم قال بهدوء
ملك قوليلي، ليه بالظبط شايفة إن مامتك محتاجة إني أبقى باباكي؟
اختفت الابتسامة من وجه ابنتي.
ونظرت إليه لثوانٍ.
ثم قالت إجابة جعلت قلبي يتوقف
حكايات_ميراا
ملك سكتت ثواني، وبصت لأحمد بجدية غريبة على سنها.
ثم أشارت بإصبعها ناحية صدري وقالت
عشان ماما بتضحك لما تكون معاك.
تجمدت.
أحمد كمان لم يتحرك.
أما ملك، فكانت مكملة بمنتهى البراءة
أنا شفتها مرة وهي بتتكلم معاك في المكتب وبعد ما مشيت، فضلت تضحك لوحدها.
حسيت وشي سخن.
ملك! كفاية كلام.
لكن أحمد لم ينظر إليّ.
كان ينظر إلى ملك وكأنه يحاول فهم شيء أكبر من مجرد كلام طفلة.
ثم سألها
ومامتك بتضحك معايا كتير؟
هزت رأسها.
لأ. بس لما بتكون مضايقة منك بتفضل ساكتة أوي.
اتسعت عيناي.
ملك!
ضحك أحمد مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ضحكته قصيرة.
ثم وقف ومد يده إليها.
تعالي.
ملك أمسكت يده فورًا.
رايح فين؟
هوريكي حاجة.
اتسعت عيناي.
أستاذ أحمد، أنا آسفة جدًا على اللي حصل، وهآخدها فورًا
قاطعني بهدوء
مفيش مشكلة.
ثم نظر إلى ملك.
بس عندي قاعدة واحدة.
إيه؟
ممنوع تقولي لحد اللي هتشوفيه.
رفعت حاجبي.
أحمد؟
نظر إليّ أخيرًا.
تعالي معانا.
تبعتهما وأنا مش فاهمة شيئًا.
دخلنا إلى مكتبه الخاص.
كان مختلفًا تمامًا عن باقي المكان.
هادئ، مرتب، بلا أي صور عائلية، ولا ذكريات، ولا حتى قطعة واحدة توحي بأن شخصًا يعيش حياة خارج العمل.
ملك أخذت تنظر حولها.
ثم توقفت فجأة أمام رف صغير في الزاوية.
كان عليه صندوق خشبي قديم.
اقتربت منه وقالت
ده بتاع مين؟
تغير وجه أحمد فورًا.
ملك، سيبيه.
لكنها كانت قد لمست الصندوق بالفعل.
وفجأة، انفتح الغطاء.
سقطت منه صورة قديمة على الأرض.
انحنيت لألتقطها
ثم تجمدت مكاني.
الصورة كانت لأحمد وهو طفل.
وبجواره امرأة تشبهه بشكل واضح.
لكن الشيء الذي جعل الدم ينسحب من وجهي لم يكن الصورة.
كان التاريخ المكتوب خلفها.




