عمي حكايات زهره الربيع 1

ساد الصمت البيت، صمت ثقيل ومحمل بالرعب. قعدت أمي على الأرض تصرخ وتلطم خدودها، وعمتي جلست تبكي بحرقة وهي تتذكر السنين الخمس الماضية، وكل جمعة كان يدخل علينا فيها عمي عبد الصمد وهو يحمل الكيسين الأسودين الثقيلين.
قال خالي وهو يغلق الباب بخيبة أمل ورعب:
“أنا ماشي للمعمل.. محدش يلمس حاجة في الثلاجة، ومحدش يفتح الباب لأي حد.”
مرت الساعات التالية كأنها أدهار. كان الليل يمر بطيئًا وقاسيًا. جلسنا في الصالة نتبادل النظرات الفازعة. كنت أفتكر كل مرة أكلت فيها من هذا اللحم.. طعمه الثقيل، عدم وجود أي دهن فيه، لونه الأحمر القاني الصافي، والساعات الطويلة التي كان يحتاجها على النار كي ينضج. كيف كنا نفرح بـ “الكرم” الزائف؟ كيف كنا ندعو له على موائدنا بينما كان يطعمنا من هذا السر المظلم؟
في تمام الساعة الثالثة فجرًا، سمعنا خطوات سريعة تصعد السلم. قفزنا جميعًا من أماكننا. فتحت أمي الباب بفتحة صغيرة، فكان خالي أحمد.
دخل خالي، لكنه لم يكن الخالي الذي خرج قبل ساعات. كان جسده يرتجف، وعيناه زائغتان، وفي يده ورقة مطوية يضغط عليها بيده حتى كادت تمزق. أغلقت أمي الباب خلفه وهرعت إليه:
“إيه يا أحمد؟ قول الله يخليك.. الورقة دي فيها إيه؟ اللحمة دي إيه؟”
جلس خالي على الأريكة، وسقطت الورقة من يده على الطاولة. وضع كفيه على وجهه وظل يئن بصوت مكتوم، كأنه يحاول طرد كابوس بشع من رأسه.
رفعت عمتي الورقة وقرأت المكتوب فيها، لكنها لم تفهم المصطلحات الطبية والبيطرية المكتوبة، فنظرت إلى خالي بقلة حبر:
“فهمنا يا أحمد.. المعمل قال إيه؟”
رفع خالي رأسه، ونظر إلينا بعيون مليئة بالدموع والرعب الخالص، وقال بصوت يخرج بصعوبة بالغة، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
“الدكتور البيطري في المعمل.. عمل تحليل للنسيج العضلي والبروتين والأحماض النووية.. قال لي إن اللحم ده مش لحم بقر.. ولا لحم جموس.. ولا لحم أي حيوان استهلاكي مألوف..”
سألت أمي بانهيار وهي تمسك بتلابيبه:
“أومال لحم إيه يا أحمد؟ خلصني!!”
صرخ خالي وهو يبكي بحرقة:
“اللحم ده.. لحم أجزاء بشرية يا سعاد!! ألياف عضلية لحيوان ثديي راقٍ.. فصيلة الإنسان!! المعمل غير مصدق، والدكتور أبلغ الشرطة فورًا وطلب مني ما أتحركش، بس أنا هربت وجيت لكم!!”
وقعت أمي على الأرض مغشيًا عليها في التو واللحظة. صرخت عمتي بصوت شق سكون الليل، بينما شعرت أنا ببرودة تسري في أطرافي، وتوقف قلبي عن النبض لثوانٍ.


