عمي حكايات زهره الربيع 1

صرخت أمي وهي تضع يديها على رأسها:

“يعني إيه؟ يعني بنآكل لحم حمير؟ ولا لحم كلاب؟ قول يا أحمد ريحني!”

رد خالي بصوت صارم:

“يا ريتها تيجي على قد الحمير والكلاب يا سعاد.. أنا هاخد العينة دي دلوقتي حالا وأطلع بيها على واحد صاحبي شغال في معمل التحاليل الطبية والبيطرية في العتبة، ه يحللها ويفحص النسيج بتاعها، وخلال ساعات هعرف الحقيقة. وإنتي.. قفلي باب بيتك، وماتخليش عبد الصمد يخرج من هنا قبل ما أرجع، أو على الأقل ما تخليهوش يلمس اللحمة دي تاني ولا يمسح أي دليل.”

في تلك اللحظة، خرج عمي عبد الصمد من الحمام، يترنح ويسند جسده على الجدران. كان وجهه مغسولًا بالماء، لكن عيونه كانت زجاجية غائرة، كأن روحًا خبيثة سكنته. تطلع فينا جميعًا بنظرة جمعت بين التوسل والغضب المكتوم. لم يقل كلمة واحدة، بل تقدم بخطوات ثقيلة نحو المطبخ.

وقف خالي في وجهه وسدّ الباب بجسده:

“رايح فين يا عبد الصمد؟”

قال عمي بصوت مبشوح ومتحشرج:

“أنا.. أنا ماشي.. تعبان شوية ورايح بيتي.”

قال خالي ببرود قاتل:

“مش هتمشي يا عبد الصمد قبل ما تفهمني اللحمة دي إيه.. وليه لما عرفت إنك أكلت منها كنت هتموت البنت؟ وليه هربت على الحمام ترجع كأنك أكلت سم؟”

ارتجفت شفتا عمي عبد الصمد، وحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن يده كانت ترتعش بشدة وهو يحاول سحب أكمامه للأسفل:

“إنت بتهرتل بتقول إيه يا أحمد؟ أنا جالي مغص حاد.. معدتي ما بتحملش اللحم المستورد ده، أنا قايل للبنت من الأول! إنت هتعمل عليا قاضي في بيت أخويا الميت؟ ابعد عن وشي!”

حاول دفع خالي، لكن خالي كان أضخم منه وأشد بأسًا، فقبض على دراع عمي بقوة وقال:

“لو راجل ومفيش في ذمتك حاجة، اقعد واشرب كوباية شاي واستناني لحد ما أرجع من المعمل. ساعتها لو طلعت لحمة بقر زي ما بتقول، هاجي أركع تحت رجلك وأبوس رأسك وأستسمحك قدام العيلة كلها. لكن لو طلعت حاجة تانية.. حسابك معايا ومع ربنا هيبدأ النهاردة.”

تحولت ملامح عمي في لحظة خاطفة من التوسل إلى الذعر القاتل. نظرت إليه، ورأيت قطرات العرق البارد تتصبب من جبهته رغم برودة الجو. استغل لحظة ارتباك الجميع، ودفع خالي بقوة غير متوقعة، ثم كسر زجاج الطاولة الجانبية وصنع هرجًا ومرجًا في الصالة، وجري نحو الباب الخارجي. فتح الباب وخرج يركض على الدرج كالمجنون، يتهادى ويسقط ثم يقوم ليواصل الركض في ظلام الليل!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *