حشره غريبه

“ما بالكِ لا تستطيعين العناية بطفلكِ وإشباعه؟ عليكِ بتناول الطعام جيداً لكي ينزل الحليب له!”.. خرجت هذه الكلمات من فمي وأنا واقف في منتصف الصالة، بينما ابني الرضيع يهز أركان من شدة الجوع. كانت زوجتي “آية” تجلس على طرف الفراش ، ووجهها شاحب وشفايفها جافة، تحاول إرضاعه برفق وهو يبتعد باكياً. في ذلك الوقت، كنت أرى نفسي رجلاً مضغوطاً ومثقلاً بأعباء العمل والديون والمسؤولية، ولم أكن أدرك أنني أجور على أضعف إنسان في المنزل. كانت آية قد وضعت طفلها منذ خمسة عشر يوماً فقط، لكن مظهرها كان يوحي بأنها خارجة من .
البنت التي كنت أتحدى الدنيا لأرى ضحكتها، أصبحت تسير بصعوبة، وتتنفس وكأن على صدرها ثقلاً كبيراً، وعيناها مليئتان بخوف وغصة غريبة. كانت تنظر إلي وتقول: “والله يا رامي أنا أحاول.. أتناول الطعام وأشرب السوائل لكي يتدفق الحليب”، وبدلاً من أن أصدقها، كنت أثور غاضباً وأتساءل عن سبب الطفل.
كانت والدتي تعيش معنا منذ ما قبل الولادة بأسبوع، وبحكم أنني ابنها الوحيد الذي يثق بها، لم أكن أتخيل أبداً أنها قد زوجتي. كل شهر كنت أسلمها ميزانية المنزل كاملة طالباً منها العناية بغذاء آية، وكانت تطمئنني بحنان زائف. كنت أعود من العمل لأستمع إلى شكاوى والدتي من التعب، بينما أرى آية صامتة، ومطفأة البريق. وأحياناً كنت أجدها في المطبخ ليلاً تشرب الماء فقط، وعندما أسألها تخبرني أنها أكلت، كاذبةً خشية حدوث خلاف بيني وبين والدتي.
في ليلة من الليالي، بعد متواصل من طفلنا، فقدت أعصابي وزجرتها ، فجلست ترتعد وتبكي بلا صوت، وقالت لي جملة ستظل تطاردني طوال حياتي: “أنا جائعة يا رامي”. لكنني لم أفهم حينها، وظننتها تبالغ.
في اليوم التالي، عدت من عملي مبكراً بسبب عطل طارئ، وقررت شراء حليب صناعي ومكملات غذائية لمرضاتي. دخلت البيت فوجدته هادئاً، والباب موارباً. توجهت نحو المطبخ بصمت، وهناك رأيت المشهد الذي فطر قلبي؛ كانت آية تجلس على الأرض خلف طاولة الطعام، وتتناول الطعام بسرعة مفرطة من طبق قديم، وتنظر نحو الباب بذعر كأنها تفعل أمراً مخزياً. فور رؤيتي، ارتبكت وحاولت إخفاء الطبق، وعندما أخذته منها ؛ كان يحتوي على بقايا طعام تالفة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي.
على ركبتيها باكية وتقول: “أرجوك لا تخبر والدتك.. أنا فقط كنت جائعة جداً”. دارت بي الدنيا وسألتها عن السبب، فأخبرتني وهي ترتجف أن والدتي كانت تمنع عنها الطعام الطازج وتقدم لها بقايا الطعام بحجة أن المرأة في فترة النفاس لا يجب أن تأكل كثيراً حتى لا تصاب بالخمول.





