حشره غريبه

في تلك اللحظة عاد الهوان والندم يجتاحان صدري؛ فزوجتي التي كان يجب علي حمايتها كانت تضطر لإخفاء الطعام خوفاً، وأنا من سلمتها بيداي لهذا الأذى. وفي غمرة ، عادت والدتي ودخلت المطبخ قائلة بحزم: “هل أنهيتِ تنظيف زجاجات الرضاعة؟”، لكنها ارتبكت حين رأتني ممسكاً بالطبق. حاولت والدتي الدفاع عن موقفها متهمة آية بالادعاء، لكن آية انفجرت باكية لأول مرة وقالت: “لقد تعبت! أنا جائعة منذ يوم ولادتي، وكنت أخبئ الخبز تحت الوسادة لآكله ليلاً، وابني يبكي لأن جسدي منهك ولا يجد ما يقتات عليه!”
حاولت والدتي مقاطعتها، لكنني بقوة طالباً الصمت من الجميع. نظرت إلي والدتي بعتاب متسائلة كيف أرفع صوتي لأجل امرأة غريبة، فقلت لها: “هذه زوجتي وأم ابني، والإنسان الوحيد الذي كان يحتاج حمايتي وخذلته”. توجهت إلى الغرفة، وأحضرت حقيبة والدتي بهدوء حاسم وقلت لها: “عليكِ المغادرة الآن، فأنا لن أسمح باستمرار الأذى في بيتي”. ورغم دعواتها وغضبها، نقلتها بسيارتي إلى منزل خالتي وعدت سريعاً.
وجدت آية تحتضن طفلنا وترقب، فجلست على الأرض أمامها ولم أقو على رفع عيني في عينيها، وقلت بصوت مكسور: “سامحيني.. والله لو كنت أعلم بوجعكِ هذا لما تركتكِ تمرّين به”. في بكاء مرير قائلة: “كنت أشرف على الهلاك يا رامي ولم يصدقني أحد”.
نقلتها إلى المستشفى فوراً، وصُدمت الطبيبة بعد الفحص، مؤكدة أنها تعاني من سوء تغذية حاد وإنهاك شديد لجسدها، وهو السبب العلمي المباشر لتوقف إدرار الحليب. قضيت بجانبها ثلاثة أيام أعتني بها وبطفلنا، حتى بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً بعد أسبوعين، وعاد الاستقرار لرضاعة طفلنا.
مرت الشهور، وحاولت والدتي التواصل لإعادة المياه إلى مجاريها، ورغم أنني سامحتها بمرور الوقت برّاً بها، إلا أنني لم أسمح بعودتها للعيش معنا تجنباً لتكرار . وفي أحد الأيام، عدت للمنزل ووجدت آية تحضر الطعام وهي تبسم برضا، بينما طفلنا يلعب جوارها. اقتربت منها وقبلت رأسها ممتناً، فقالت باستغراب: “ما بك؟” فقلت لها: “كل يوم أكتشف أن الله رزقني بنعمة غالية وكنت غافلاً عنها”. ابتسمت من قلبها وقالت: “المهم أنك استيقظت قبل أن نخسر بعضنا”. ومنذ ذلك الحين، أحمَدُ الله كل يوم أنه كشف لي الحقيقة وحفظ لي أسرتي قبل فوات الأوان.




