سر الحاره القديمه وعين ليلي

كان النهار في أوج ليلته الصيفية الحارة، والجو داخل غرفة استقبال بلاغات النجدة يبدو ساكناً وكأن الزمن قد توقف. صوت تكتكة لوحة المفاتيح وصوت المراوح المرتفعة كانا يملآن المكان ببطء، بينما كانت هبة جالسة في وردية الظهيرة تراقب الشاشات في ملل معتاد. لم يكن هناك ما يكسر هذا الهدوء سوى بعض الشكاوى البسيطة المعتادة عن زحام المرور أو مشاجرات جانبية عابرة في الشوارع.
مقالات ذات صلة
اعتنيت بزوجى
منذ يومين
بعد الصبر جبر
منذ يومين
القصة كاملة بقلم محمد عبده
منذ 5 أيام
القصة كاملة بقلم محمد عبده
منذ 5 أيام
فجأة، وعلى حين غرة، انفتح خط هاتف طارئ على شاشتها. لم يكن هناك صريخ مسموع، ولا دوشة صاخبة، ولا استغاثة بصوت عالٍ يعتاد عليه العاملون في الطوارئ. كان الصوت عبارة عن نفس مخنوق، وحشرجة خافتة لصوت طفلة صغيرة، يتبعها حسيس حركة خفيفة وقريبة جداً من سماعة الهاتف.
تعدلت هبة في جلستها بتركيز شديد، وشعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها دون أن تدرك سببها الحقيقي. قالت بصوت حنون محاولةً بث الطمأنينة في نفس المتصلة: “أيوة يا حبيبتي، سامعاكي.. إيه اللي بيحصل عندك؟” سكت الخط لثانية واحدة كاملة، ولم يكن في الخلفية سوى صوت تزييق خشب قديم ومتهالك، وبعدها همست الطفلة بجملة جعلت الدم يتقمد في عروق هبة. صوابع هبة تسمرت فوق لوحة المفاتيح، ليس لأنها لم تفهم المقصود، بل على العكس تماماً، لأنها فهمت خطورة الموقف بوضوح تام. كان السكوت مرعباً، والجملة لم تكن نابعة من خوف عفوي فحسب، بل بدت وكأنها تلقين وطاعة عمياء، كأن أحدهم كرارها على مسامعها مراراً وتكراراً حتى حفظتها عن ظهر قلب.
بلعت هبة ريقها الجاف وسألتها بنبرة هادئة: “اسمك إيه يا شاطرة؟” أجابت الطفلة بصوت مرتعش يكاد يختفي: “ليلى.” تابعت هبة بحذر: “طب يا ليلى، إنتي في مكان أمان دلوقتي؟” سكتت الطفلة قليلاً، وظهر في الخلفية صوت تزييق باب خشبي يُغلق، ثم قالت بصوت همس خافت: “أنا مستخبية في الأوضة.. بس هو قالي متتصليش بحد.” في تلك اللحظة بالذات، أضاءت شاشة الكمبيوتر أمام هبة بمعلومات العنوان التفصيلي: بيت أرضي في حارة ضيقة متفرعة من شارع بين السرايات. منطقة شعبية مكتظة بالسكان، البيوت فيها متلاصقة، والناس يقفون على ناصية الشارع يتسامرون ويشربون الشاي، وتبدو الحياة طبيعية تماماً لúكل ناظر، ولكن خلف تلك الشبابيك المغلقة بالكامل كانت تتوارى كارثة حقيقية لا يعلم بها أحد.



