سر الحاره القديمه وعين ليلي

تحرك الأجهزة الأمنية ونزول الميدان
قامت هبة بتبليغ غرفة اللاسلكي فوراً وبنفس النبرة الهادئة الحنونة لكي لا تزيد من رعب الطفلة: “ماشي يا ليلى، إنتي شاطرة وزي الفل، خليكي معايا على الخط ومتخافيش.” كانت هذه أول كلمة صادقة ومطمئنة تسمعها تلك الطفلة من شخص كبير منذ فترة طويله. في نفس الوقت، كان الرائد أحمد نصار، ضابط المباحث المخضرم الذي تجاوز الخمسين من عمره، جالساً في قسم الشرطة يراجع الدفاتر الرسمية، عندما وصله إخطار النجدة المرفق بالتسجيل الصوتي. أحمد رجل ملأ الشيب رأسه، وعيناه شاهدتا الكثير من قضايا ومآسي الدنيا لدرجة جعلت ملامحه تبدو كالصخر بلا تعبيرات واضحة.

لكن فور سماعه لصوت همس ليلى وهي تكرر الكلمات الملقنة، شعر بنغزة قوية ومؤلمة في صدره وكأن الهواء انقطع عنه تماماً. نظر إلى شاشة الكمبيوتر ليجد ملحوظة النجدة تؤكد أن البلاغ يخص طفلة، وأن الصوت يبدو ملقناً بعناية. وقف أحمد بحزم من مكتبه، وسحب سلاحه الناري ومفاتيح سيارة الشرطة، وقال لزميله بصوت حاسم: “أنا اللي هطلع البلاغ ده بنفسي.” عندما نزلت قوة الشرطة إلى الشارع، كانت الشمس حامية، وأصوات باعة الخضار وصياح الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في الحارة تملأ المكان صخباً وحيوية. كانت الأجواء توحي بالسلام الظاهري، لكن أحمد كان يشعر بحدسه الأمني أن هذه الحارة تخفي خلف أزقتها سراً مظلماً. وراء الستائر والشيش المغلق، تختبئ المخاطر الحقيقية بعيداً عن الأعين.

أمر أحمد أفراد القوة بإيقاف تشغيل صفارة الإنذار قبل دخول الحارة حفاظاً على عنصر المفاجأة، وحتى لا تتسبب أي حركة غير محسوبة في تعريض حياة الطفلة للخطر. توقفت سيارات الشرطة عند مدخل الحارة وترجل الجميع على قدميهم بهدوء تام. كان البيت مقصوداً، قديماً، بابه الخشب متهالكاً، وجنبه على الجدار الخارجي شخابيط أطفال مرسومة بالطباشير الملون؛ رسمة شمس عوجة، وقلب مقسوم نصين، وبجانب العتبة كان أثر الطباشير ممسوحاً بشكل عشوائي كأن شخصاً ما مر من هناك عجلًا أو مسح الأثر بقدمه.

اللحظة الحاسمة واكتشاف الباب المغلق
اقترب أحمد من الباب بخطوات بالغة الحذر والبطء. كان شيش النافذة المطلة على الشارع موارباً ببضع سنتيمترات قليلة، ومن خلال تلك الفتحة الضيقة، لمح أحمد فردة شراب صغيرة لطفلة تحمل رسومات شخصية كرتونية مرمية على الأرض، وتليها ظلمة حالكة داخل الغرفة. ساد المكان فجأة صمت مطبق غير مريح، صمت مرعب يكفيل ليدب الرعب في النفوس. رفع أحمد يده مستعداً للطرق، وفجفته اهتز شيش النافذة حركة خفيفة؛ لم يظهر وجه كامل، بل ظهرت عين واحدة صغيرة، واسعة، تملؤها الدموع ورعب لا يمكن وصفه، وحدقت في أحمد لثانية واحدة معدودة قبل أن تختفي سريعاً في ظلام الرواق الداخلي للشقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *