ام جوزى أمانى السيد 2

مرّت الأيام متثاقلة على أحمد، وكأن كل دقيقة تُحسب من عمره ديناً مؤجلاً وجب سداده. الشقة الفخمة التي طالما حلم بها وزيّنها بدم صحتي وقوت أطفالي، تحولت إلى زنزانة معتمة تنبعث منها رائحة المرض والندم. العروس الشابة التي اشترى ودّها بالفساتين الملكية وشهر العسل الفخم، لم تحتمل البقاء في هذا الجو لأكثر من أسبوعين؛ جمعت حقائبها، وألقت بوجهه بطلب الخلع، تاركة إياه يواجه وحده مصيراً أسود صنعت يداه كل تفاصيله.
في بيت أهلي، كنتُ أستعيد أنفاسي يوماً بعد يوم. بدأت صحتي تعود إليّ تدريجياً، وعادت البسمة إلى وجوه أطفالي بعدما تخلصوا من جو الخوف والحرمان. لم أعد تلك المرأة المستكينة التي تنتظر كلمة رضا من زوج بخل عليها حتى باللقمة الطيبة؛ بل أصبحتُ امرأة تعرف قدر نفسها، وتأخذ حقها بالقانون والكرامة.
أصبح أحمد يصحو كل صباح على كابوس حقيقي. كان عليه أن يقدم الرعاية لأمه المريضة بمفرده؛ يغير حفاضاتها، ينظفها، يطعمها، ويغسل فراشها، وهو الرجل الذي كان يتكدر ويقرف إن رأى بقعة صغيرة على ثوبي، أو إن استنشق رائحة الدواء في أرجاء المنزل. كانت أمه تتوجع وتصرخ طوال الليل، تطلب مساعدتي وتكرر اسمي وهي تبكي: “فين حكمت يا بني؟ فين حكمت اللي كانت إيدها خفيفة وما بتزهقش؟”
وكان هو يقف أمامها عاجزاً، يداه تتشققان من أثر المواد المنظفة، وظهره ينحني تحت ثقل أمه التي لم يعد يجد من يحملها عنه. اتصل بإخواته واحداً تلو الآخر، وبكى لهم على الهاتف يترجاهم أن يأخذوها ولو ليومين في الأسبوع كي يستريح أو يلتفت لعمله الذي بدأ ينهدم، لكن إخواته ردوا عليه بقسوة شديدة؛ أخته التي كانت تشمت بي وتتفرج على فيديوهات فرحه، قالت له ببرود: “مش أنت أخدت الشقة الكبيرة واشتريت نصيبنا كاش عشان تنبسط أنت وعروستك؟ يبقى تشيل أمك لوحدك، إحنا أخدنا فلوسنا ومش فاضيين للمشاكل والقرف ده.”
كل الأبواب أُغلقت في وجهه، وذاق طعم الجحود من أقرب الناس إليه، نفس الجحود الذي أذابوا به قلبي لسنوات.
في هذه الأثناء، كانت القضية في المحكمة تسير لصالحي بخطوات ثابتة وسريعة. المحامي استغل كل إثباتات ثرائه وزواجه الجديد، والأوراق التي تؤكد دفعه مبالغ مالية ضخمة لإخوته لشراء الشقة. أصدرت المحكمة حكماً بفرض نفقة زوجية وبدلات صغار وأجرة حضانة بمبالغ كبيرة تُخصم فوراً من حسابه ومرتبه. لم يستطع الإنكار ولا التملص، فكل الحجج التي كان يتحجج بها أمامي عن الإفلاس ومشاكل العمل تهاوت أمام المستندات الرسمية.




