ام جوزى أمانى السيد الاخير

لم تعد هي الأخرى كما كانت؛ كان وجهها شاحباً وتظهر عليه علامات الضغط والإنهاك. بمجرد أن رأتني أخرج بكامل أنقتي وأمسك بمفاتيح سيارتي، ركضت نحوي وقالت بصوت متوسل ومكسور: “حكمت.. أرجوكي يا حكمت استني! أنا جاية بطلب منك أمانة ولوجه الله.”
وقفتُ بثبات، ونظرتُ إليها بنظرات باردة تفيض بالكبرياء والكرامة، وقلتُ لها: “خير يا أم جنا؟ إيه اللي جابك هنا؟ مش أنتِ اللي كنتِ بتقولي لأخوكي ‘البنت شكلها بنت ناس وتستاهل كل قرش اتصرف عليها’؟ جاية تدوري عليا ليه دلوقتي؟”
احمرّ وجهها خجلاً وارتبك لسانها، وقالت وهي تبكي: “أنا غلطت.. إحنا كلنا غلطنا في حقك وربنا منا! أحمد في حالة خطر يا حكمت.. أحمد محبوس في أوضة صغيرة ومش راضي ياكل ولا يشرب، وجاله اكتئاب حاد وبيكلم نفسه، وحصلت بينه وبين جوزي مشكلة كبيرة لما راح يستلف منه فلوس يشتري بيها أكل.. أحمد ضاع خالص!”
أكملت بتوسل: “أرجوكي تنازلي عن باقي القضايا أو ارجعي له زي زمان، هو نديم ومستعد يبوس إيديكي، الشقة راحت
والفلوس راحت وأمنا .. خلاص، العقاب بقا فوق طاقة أي حد!”
ابتسمتُ ابتسامة هادئة، ابتسامة امرأة أخذت حقها بالتمام والكمال من الحياة والدنيا، وقلتُ لها بنبرة حاسمة كالسيف: “عقاب؟ اللي بعيشه أحمد ده مش عقاب.. ده مجرد كشف حساب بسيط عن السنين اللي عشتها تحت رجليكم خدامة ببلاش! أنتِ اللي قعدتي تفرّجيه على الصور وتضحكي، وأنتِ اللي قبضتي الفلوس كاش وبعتي أمك لما احتاجت مساعدة، ودلوقتي جاية تتباكي عليه؟”
أردفتُ وأنا أفتح باب سيارتي بثقة: “أحمد اختار طريقه يوم ما قرر ينهب قوت عياله ويطلع على جثتي عشان يتجوز وينبسط.. والقانون أخاف حقي وحق عيالي. أما حياته ومصيره، فده أمر بينه وبين ربنا، وأنا مش هتنازل عن حق أولادي في القانون لو فضلت أخر لحظة في عمري. اذهبي واعتني بأخوكي، لأن الشقة اللي كانت ملكه لوحدها بقت سراب، والقرف اللي كان بيرميه عليا بقا عايش فيه لوحده!”
أغلقتُ باب السيارة، وتحركتُ بها بخطوات واثقة، تاركة إياها تبكي وتتحسر في الشارع.
كانت الأنباء تصلني تباعاً بعد ذلك؛ أحمد أصبح يعيش على مساعدات بسيطة من بعض أهل الخير، يحاول البحث عن أي عمل يومي بسيط ليقتات منه ويسدد إيجار غرفته المظلمة، مطارداً بكوابيس الخديعة والندم، ويرى كل يوم كيف أن كل ما بناه بالظلم قد انهار كبيت العنكبوت.



