ام جوزى أمانى السيد الاخير

عندما علم إخوته ببرمجة محبسه وتنفيذ الأحكام ضد، سارعوا بنفض أيديهم منه كلياً. أخته، التي كانت ترقص وتزغرد في فرحه، خشيت أن يطلب منها زوجها الطلاق إن هي حاولت مساعدته أو زيارته، فامتنعت عن الذهاب إليه وقَطعت أخبارها عنه تماماً. أما باقي إخوته، فقد انشغلوا بأموال الورث التي قبضلوها كاش، واعتبروا أن أحمد أصبح وصمة عار في حياتهم لا بد من مسحها.

في صباح يوم ربيعي مشرق، وردني اتصال من محاميّ يخبرني أن أحمد طلب من إدارة السجن التوسل إليّ لزياراته لمرة واحدة وأخيرة قبل صدور الحكم النهائي في دعوى الطلاق للضرر، مؤكداً أنه يريد أن يوقع على جميع الأوراق الرسمية دون اعتراض، شريطة أن يمتد له أن ينظر إليّ ويلتمس مني العفو.

رفضتُ في بداية الأمر، لكن المحامي نصحني بالحضور لتسوية كافة الأوراق وإغلاق الملفات القانونية نهائياً ودون رجعة.

ذهبتُ إلى السجن برفقة أخي ومحاميّ. كنتُ أرتدي فستاناً أنيقاً وقوراً، وأحمل في نظراتي هدوء الواثق وثبات المحق. أُدخلتُ إلى غرفة الزيارة المغلقة، وقجلستُ خلف حاجز زجاجي في انتظار دخوله.

بعد دقائق، فُتح الباب الحديدي، ودخل أحمد يجر سلاسله.

شخصيتُ فيه البصر لثوانٍ ولم أستطع أن أصدق أن هذا هو نفس الشخص؛ كان الهزال قد أكل جسده، وذقنه البيضاء المهملة تغطي وجهه، وعيناه ممتلئتان بانكسار شديد لا قاع له. كان يرتدي ملابس السجن الزرقاء المتهالكة، ويمشي بخطوات مرتجفة كأنه شيخ فاني في الثمانين من عمره.

جلس أمامي خلف الزجاج، ورفع سماعة الهاتف بيدين ترتعشان. هززتُ رأسي وأمسكتُ بالسماعة المقابلة دون أن أنطق بحرف.

بكى بصوت خافت، وانهمرت دموعه على وجنتيه الغائرتين، وقال ونبرته تتكسر: “حكمت.. سامحيني.. أرجوكي قوليلي إنك مسامحاني قبل ما أموت في المكان ده. أنا شفت جهنم في الدنيا يا حكمت.. ذقت الفقر، والذل، والقرف، والوحدة، والمرض.. أختي بائتني، وإخواتي نسيوني، والعروسة اللي ضيعت عمري عشانها رمتني وأخدت فلوسي.. ومبقتش أسمع في أذني غير صوت دعائك وصوت أنين أمي وهي بتنادي عليكي.”

نظرتُ في عينيه برباطة جأش لم تتزعزع، وقلتُ له بصوت هادئ ونبرة ثقيلة كالرصاص: “المسامحة مش بإيدي يا أحمد.. المسامحة عند ربنا اللي شهد على حرماني وقهري، وشهد على عيالي وهم بيتحرموا من اللقمة وأنت بتصرف الملايين على الفرفشة والدلع. أنا مش جاية عشان أسمع اعتذارك ولا عشان أشمت فيك، أنا جاية أخد حقوقي القانونية وأقفل الصفحة دي للأبد.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *