كان عندى ١٠ سنين

أبويا سكت.

وبص لجدتي.

الدكتور كمل:

“مين أقنعك إن القفل ده صادر من العيادة؟”

أبويا لف ناحية أمه ببطء.

وشه كان بيتغير قدام عيني.

وصوته خرج مرتعش:

“ماما…”

جدتي ماردتش.

أبويا قرب خطوة.

وقال:

“إنتِ قلتيلي إن العيادة هي اللي ادّتك القفل ده.”

جدتي فضلت ساكتة.

وأنا لأول مرة…

رفعت عيني وبصيت لها من غير خوف.

لأن أبويا أخيرًا بدأ يسأل الأسئلة اللي كان المفروض يسألها من زمان.

لكن اللي محدش فينا كان يعرفه وقتها… إن القفل ده ماكانش أسوأ سر كانت جدتي مخبياه.
جدتي رفعت رأسها ببرود غير عادي، وصوتها طلع ثقيل وبارد:
— أيوه أنا اللي حطيت القفل يا ناصر… وأنا اللي كنت بقفل السلسلة كل يوم! لأنك ضعيف، ومستعد تسيب بنتك دي تكبر وتجري وتهرب وتعمل زي أمها!
أبويا ناصر اتجمد مكانه، وشه اتقلب أصفر زي الجثة، وعينيه اتوسعت بذهول

وصدمة هزت كيانه:
— أمها؟! إنتِ بتجيبي سيرة سعاد ليه دلوقتي يا ماما؟!
جدتي ابتسمت بسخرية وقالت:
— عشان سعاد ماماتتش في حادثة عربية زي ما أفهمتك من عشر سنين يا ناصر… سعاد هربت! هربت وسابتلك البنت دي وهي عندها سنة واحدة، لأنها ما استحملتش العيشة معايا في نفس البيت! وأنا أقسمت يومها إن البنت دي مش هتكبر وتطلع زي أمها… كان لازم أكسر شوكتها من وهي صغيرة وأحبسها تحت إيدي!
الكلمات نزلت على أبويا زي المرزبة اللي هدمت كل حاجة في لحظة.
الدكتور سامح أخد نفس عميق، وحط السلسلة المقطوعة والقفل على الترابيزة، وبص لأبويا بصوت حاد وجاد:
— الإيذاء البدني والنفسي اللي تعرضت له البنت دي طوال الشهور اللي فاتت جريمة يعاقب عليها القانون، والتزوير والادعاء بوجود تعليمات طبية بالحبس والقفل جريمة ثانية… البلاغ للشرطة ولجنة حماية الطفل اتعمل رسمياً قبل ما حضرتك توصل يا أستاذ ناصر.
جدتي صرخت بارتباك:
— بلاغ إيه وطب إيه يا جاهل إنت؟! أنا جدتها وأنا اللي بربيها بعد ما أمهاتهم رموهالي!
أبويا ناصر قرب من أمه، ولأول مرة في حياته، شفت في عينيه غضب وعيون مليانة قسوة وكبرياء وندم يقطع القلب.
نزل على ركبتيه قدامي، ومسك إيدي المرتعشة، ودموعه نزلت على إيديا بغزارة:
— سامحيني يا بنتي… سامحيني يا حبيبتي، أنا كنت أعمى ومغفل وسايبك لقلب ما يعرفش الرحمة… أنا كنت فاكر إنها بتحميكي، وما كنتش عارف إنها بتنتقم منك ومن أمك فيكي!
أنا حطيت إيدي الصغيرة على خده، ولمست دموعه وقلت بصوت هادي لأول مرة:
— أنا مش زعلانة منك يا بابا… أنا بس كنت عايزة الدعامة تتفك، وأتنفس من غير وجع.
أبويا قام وقف بصلابة، ووقف بيني وبين جدتي، وقال لها بصوت هز جدران العيادة الصغيرة:
— من اللحظة دي يا أمي… إنتِ مالكيش بنت أحفاد، ومالكيش بيت عندنا. الأوراق اللي خبيتيها عن هرب سعاد وعناوينها، والتزوير اللي عيشتيني فيه عشر سنين، النيابة هي اللي هتحاسبك عليه!
وصلت شرطة حماية الطفل، وتم نقل جدتي للتحقيق بتهم الإيذاء البدني والنفسي القاصر، والتزوير، والاحتجاز غير القانوني.
بعد مرور أسبوعين…
الدعامة الطبية والسلسلة الحديدية اتفكوا تماماً من على صدري بأمر الأطباء في المستشفى الكبير بالقاهرة، وضلوعي بدأت تلتئم بسلام.
أبويا أخد إجازة طويلة من شغله، وخدني في شقة جميلة ومشرقة بعيد عن القرية وعن بيت جدتي القديم.
وفوق ده كله… أبويا بمساعدة المحامي قدر يوصل لمكان أمي الحقيقي اللي كانت بتبحث عني طوال السنين دي، وطلعت جدتي هي اللي كانت حارماها من الوصول ليا بتهديدات وأوراق مزورة!
في يوم دافي على شاطئ البحر…
كنت واقفه مع أبويا، وأمي كانت قاعدة جنبنا بتبتسم والدموع في عينيها وهي بتحضنني.
أبويا مسك إيدي وبص للسمات والأفق الواسع وقال لي بابتسامة مليانة حب وحماية:
— اتنفستي براحتك يا حبيبتي… من النهاردة مفيش أقفال، ومفيش سلاسل، ومفيش حد يقدر يحرمك من حريتك وضحكتك أبداً.
ابتسمت من قلبي وأنا باخد نفس عميق ودافي، وعرفت إن الحقيقة مهما انحبست بقفل حديد… ربنا بيقيّض لها وقت تظهر فيه وتكسر كل السلاسل!
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *