بنتي أطلقت حكايات زهره 3

المكالمة اللي جات في نص الليل من المستشفى العام في القاهرة نزل خبرها علينا زي الصاعقة اللي كوت قلوبنا من جديد. الدكتور اللي كان متابع حالة بنتي في الطوارئ اتصل وقال بصوت مرعوب ومتقطع: “يا جماعة، الشرطة جات المستشفى ومعاهم أمر تفتيش وأمر ضبط وإحضار لبنتكم، لأن أهل طليقها قدموا تقرير طبي مزور ومختوم من مستشفى خاص يدّعوا فيه إن بنتك عندها حالة صرع واضطراب عقلي خطير يجعلها تشكل خطر دائم على حياة الطفل، والأقسى من كده، إنهم استغلوا غيابكم ورفعوا دعوى عاجلة لسلخ الحضانة وتسليم الولد لأبوه فوراً، والقاضي حدد جلسة عاجلة بعد ٤٨ ساعة فقط! لو بنتك وما ظهرتش في المحكمة بنفسها ومعاها الطفل والتقرير الطبي الحقيقي، الحضانة هتسقط عنها غيابياً والشرطة هتصدر أمر بقبضها وقبض الطفل!”
الخبر طيّر العقل من راسي. بنتي سمعت كلام الدكتور والدنيا اسودت في عينها، بدأت تتنفس بصعوبة وأيدها المربوطة بالشاش بقت ترتعش، وصحيت فيها كوابيس الدم والسكين من جديد. مسكت في جلابيتي بدموع تذوب الحجر وقالت: “خلاص يا أمي.. خلاص النذل هيستغل الفقر والدكاترة المزورة وياخد مني محمد! أنا مستعدة أموت ولا إني أشوفه بياخده مني تاني!”
في اللحظة دي، وقفت أنا وعمها الحاج عبد المجيد ومحامي العيلة الشاب اللي جه مخصوص الصعيد. المحامي بص لنا وقال بحسم وصرامة: “مفيش وقت للخوف ولا للهروب.. الهروب هيرسّخ التهمة عليهم ويخلي المحكمة تقتنع إنها مريضة ورافضة تطلع على الطب الشرعي. إحنا لازم نرجع القاهرة فوراً، ونواجههم في جلسة المحكمة! إحنا معانا كروت قوة محددة: تقرير المستشفى العام الموثق اللي بيثبت إن الانتحار كان نتيجة ضغط ونزيف حاد مش صرع ولا جنون، وشهادة دكاترة العناية المركزة، والتفريغ بتاع كاميرات المراقبة اللي بيثبت الاستعانة بالبلطجية والتهديد بالدم.”
الحاج عبد المجيد قام وقف وهز نبوته في الأرض وقال بصوت زلزل المندرة: “أنا جاي معاكوا للقاهرة، وجايب معايا أربعة من رجالة العيلة يوقفوا حراسة على البنت والولد قدام باب المحكمة، والقانون لو ما جابش حقنا، الرجالة تعرف تاخد الحق من عين النذل!”
سافرنا القاهرة في قطار الليل، السفرية كانت أطول من العمر كأنه دهر كامل. كنت قاعدة جنب بنتي، حاطة إيدي على كتفها وبصلي لربنا في سرّي، أرجوه وأبكي له: “يارب.. أنا اللي كتبت الشقاء ده بإيدي يوم ما طمعت خفت من المصاريف ورميت ضناها، يارب القسوة كانت مني والندم كل عظمي، متقابش البنت بذنب أمها، ورجعلها حقها قدام الناس.”
وصلنا مجمع المحاكم الصبح بدري. الشارع قدام المحكمة كان مليان ناس، ورجالة عمها كربسوا نفسهم حوالين بنتي والولد كأنهم درع بشر. دخلنا القاعة، ولقينا طليقها الندل قاعد في الصف الأول ومعاه أمه، لابس بدلة وشكله نضيف ومتأنق، وأول ما شافنا دخلنا، ابتسم ابتسامة مسمومة وفيها ثقة النذل اللي مقتنع إن الفلوس والمكر هيكسبوا.
اتنادت القضية: “دواعي إسقاط الحضانة للمكلفة.. جلسة عاجلة.”
وقف محامي طليقها، وبدأ يلقي خطبة مليانة كذب وفجر، وطلع أوراق مزورة وقال: “يا سيادة القاضي، المودة والرحمة تقتضي إننا ننقذ الطفل ده! الأم مريضة نفسياً، حاولت تنهي حياتها بقطع الشرايين في شقتها، وعندها نوبات صرع واضطراب سلوكي يهدد الطفل بالقتل أو العاهة! والأب رجل ميسور وجاهز يوفر له الحياة الكريمة والأمان!”
القاضي بص للأوراق، وبعدين بص لبنتي اللي كانت واقفة في القفص، جسمها نحيف، وشها أصفر، وإيدها المربوطة بالشاش باينة تحت الطرحة، لكن عينيها كانت ماسكة في ابنها وثابتة.
هنا وقف المحامي بتاعنا، وبصوت هز أركان القاعة، قدم الملف الموثق وقال: “سيدي الرئيس! التقرير المقدم من الدفاع الآخر هو تقرير مزور صادر من مركز خاص غير معتمد، ونطلب إحالة المحررين للنيابة العامة بتهمة التزوير! إحنا بنقدم للمحكمة التقرير الطبي الرسمي الصادر من المستشفى العام، موثق بختم النسور، والذي يؤكد أن محاولة الانتحار كانت غيبوبة صدمة ناتجة عن تعسف الأب، وطرده للأم وطرد طفل عمره ٣ سنوات، وحرمانه من القوت والنفقة، واستخدامه أساليب التهديد بالدم والبلطجة لإرهابها!”
المحامي كمل وقدم شريط الفيديو المفرغ من الكاميرات، وتقرير النيابة العامة الصادر بضبط وإحضار الأب بتهمة محاولة اختطاف طفل وتشكيل عصابة بلطجية!
السكوت حل على القاعة كلياً.. القاضي رفع نظارته، وبدأ يقلّب في أوراق التقرير الطبي الرسمي وفيديو الكاميرات. وش طليقها بدأ يتغير، والأحمر بيطلع في وشه، وأمه بدأت تفرك في إيدها وتعرّق من الخوف.
القاضي بص لطليقها وقال بصوت صارم يقطع العرق: “أين النفقة التي دفعتها لطفلك منذ تاريخ الطلاق؟ وهل قمت بتوفير مسكن حضانة كما ينص القانون؟”
طليقها اتلعثم وما عرفش يرد، ومحاميه حاول يتدخل، فالقاضي نهره بحزم: “اسكت أنت!”
القاضي بص لبنتي وسألها بمنتهى الرفق: “يا ابنتي.. هل تطلبي العلاج النفسي؟ وهل تعاني من أي أمراض تمنعك من رعاية ابنك؟”
بنتي رفعت رأسها، ولأول مرة من شهور شفت في عينها قوة الجبل اللي مبيتهزش. قربت خطوة من منصة القاضي، وقالت بصوت نقي وثابت ومسموع للقاعة كلها: “يا سيادة القاضي.. أنا ما عنديش غير ابن ده من الدنيا. أنا اشتغلت في مشغل خياطة وشيلته على كتفي من أذان الفجر عشان أوكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. أنا ما قطعتش شراييني عشان مجنونة.. أنا قطعت شراييني لما حسيت إن الدنيا كلها قست عليا، وإن ضنايا اتأخد مني بالقوة والذل. أنا عاقلة وسليمة، ومستعدة أقف قدام أي لجنة طبية تشكلها المحكمة، بس أرجوك يا سيادة القاضي.. متحرمنيش من الحتة اللي باقية لي في الدنيا.”
القاضي بص لها بنظرة فيها تقدير وإنسانية عظيمة، ورفرف بأوراقه وسكت لثواني كانت أطول ثواني في حياتنا كلنا.. القاعة كلها كانت حابسة أنفاسها، وطليقها واقف بيترعش، وأنا حاطة إيدي على قلبي وبدعي ربنا يظهر الحق.
رفع القاضي القلم، ودق بالمطرقة على الخشب، وبدأ ينطق بالحكم اللي هيحدد مصيرنا ويا إما يرفع رأسنا يا إما يرمينا في الجحيم للأبد…
دقّ القاضي بالمطرقة على الخشب، وصوت ضربة المطرقة يرنّ في صمت القاعة كأنه صوت الفصل بين الحياة والموت. رفّع القاضي نظارته، وبص للحاضرين بصرامة وعدل، وبدأ ينطق بالحكم بصوت تقيل هزّ القاعة كلها:
“حكمت المحكمة:
أولاً: رفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من الأب لعدم الصحة وثبوت التزوير في التقارير الطبية المقدمة منه، وإحالة الأوراق للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المزورين.
ثانياً: إثبات حضانة الطفل لأمه فوراً وبصورة نهائية.
ثالثاً: إلزام الأب بدفع كافة النفقات المتأخرة وتوفير مسكن حضانة مناسب للأم وطفلها، أو دفع أجر مسكن شهري، وتكليف الجهات المختصة بالتنفيذ الفوري!”
أول ما القاضي نطق الحكم، القاعة كلها اتنفضت! بنتي وقعت على ركبها على البلاط، وسجدت لله سجدة شكر وهي بتبكي بنحيب ودموع المظلوم اللي ربنا رد له حقه. جريت عليها وارتميت في حضنها على البلاط، بقيت أبوس رأسها وإيديها وأبكي معاها، وأنا بصرخ في سري: ” الحمد لله يا رب.. الحمد لله إنك ما حرمتنيش منها وما حرمتهاش من ضناها!”
طليقها وقف في مكانه مصدوم، وشه أسود زي الطين، وأمه صرخت وتولت في وسط القاعة. لكن الشرطة مادتهمش فرصة يتكلموا ولا يتحركوا؛ الحرس دخل فوراً وكلّبش إيدين طليقها بناءً على قرار النيابة السابق بتهمة التهديد والبلطجة ومحاولة الخطف والتزوير، وسحبوه قدام الناس زي الكلب المهان وهو بيتحسر ويتلفت حواليه ووالدته بتجري وراه وتصرخ.
خرجنا من المحكمة ورجالة عمها عبد المجيد واقفين حوالينا مرفوعين الرأس والشأن. بنتي شالت ابنها محمد، وحضنته في صدرها بكل قوتها، والولد مسك في رقبتها وهو يبتسم، كأنه حاسس إن الكابوس خلص وإن الشمس طلعت من جديد.
رجعت أنا وبنتي والولد لبيتنا.. البيت اللي شهد على أقسى وأبشع أيام حياتنا. قعدت تحت رجلين بنتي في الصالة، ومسكت إيديها التنين وقريت فيهم الندم، وقولتلها بصوت مكسور: “يا بنتي.. أنا السبب في كل المر اللي شفتيه، أنا اللي طمعت وخفت من اللقمة وقست عليكي وقويت الندل ده عليكي.. لو عايشة بقية عمري تحت رجليكي أخدمك أنتِ وابنك مش هيكفي ذنبي.”
بنتي بصت لي والدموع في عينيها، بس المرة دي كانت دموع مسامحة ورضا. رفعتني من على الأرض وحضنتني وقالت لي: “خلاص يا أمي.. الجرح لمّ، وأنتِ فديتيني بعمرك وحريتك وقفتِ قدام الموت عشان ترجعي لي ابني. أنا مسامحاكي من كل قلبي، والحمد لله إن ربنا هدانا وعدّى الغمة.”
ومن اليوم ده، اتغيرت حياتنا تماماً. المحامي تابع إجراءات النفقة، وأخدنا حق بنتي وحق ابنها بالقانون من طليقها اللي دخل السجن يتربى على أفعاله وأذاه. بنتي رجعت لشغلها في المشغل، بس المرة دي وهي مرتاحة البال، مرفوعة الرأس، وابنها بيكبر قدام عينيها في أمان ودفء.
أما أنا، فبقيت أقعد بالولد طول النهار وألعب معاه وأراعيه، وأشيل حفيظي في عيني كأنه أعز من الروح. وكل ما أبص لمحمد وهو بيجري ويضحك في البيت، أحمد ربنا ألف مرة إنه رحمني من اللعنة، ورجع لي عقلي، وخلاني أعرف إن الضنى والأمان والستر أغلى من كل قرش في الدنيا.




