ابني حكايات زهرة الربيع 3

قعدنا كلنا، والعميد ورجال المباحث واقفين ينظروا للقصة الذهول مش قادر يسعهم. بس وسط الفرحة والدموع والارتياح إن ابني رجعلي حيي، عمر مسك إيدي بقوة، وعينيه اتملت بالخوف الشديد، وقال وهو بيبص للعميد وليا:

“يا بابا… الموضوع لسه ما انتهى… توفيق مات، وندى اتسحبت، بس في حد تاني كان بيدير كل حاجة من ورا توفيق… حد أنت تعرفه كويس أوي يا بابا، والحد ده هو اللي مول المزرعة وهو اللي معاه النسخة الأخيرة من الصندوق… والحد ده موجود حالياً في بيتك وفي انتظارنا!”

تجمدت في مكاني والدم هرب من عروقي لما سمعت كلمات عمر. “حد في بيتنا وفي انتظارنا؟!” بصيت لابني بذهول، ورأسي بيلف… مين اللي ممكن يكون أشر من توفيق وأقرب لينا منه؟! مين العقل المدبر اللي كان يحرك الكل زي العرايس الخشبية من غير ما حد يحس بيه؟!

العميد ما ضيعش ثانية واحدة. أشار للضباط وللقوة الرافقانا، وطاروا بينا في عربيات الشرطة راجعين على البلد. الطريق كان بيعدي كأنه كابوس بطيء، وإيدي مكنتش بتسيب إيد عمر لحظة، كأني خايف أغمض عيني فيختفي تاني وارجع للكوابيس.

وصلنا القرية والشمس كانت خلاص بقت في كبد السماء. الهدوء المخيف كان مخيم على الشارع بتاعنا، والناس واقفة على مسافات بعيدة بتبص بذهول ورعب، مش مصدقين إن عبد السميع راجع وجنبه ابنه عمر اللي دفنوه بإيديهم من أسبوعين!

العميد أشار للقوة بالانتشار الصامت حولين العمارة، ونزلنا أنا وعمر والعميد وثلاثة من كبار الضباط بالأسلحة المشهورة. صعدنا السلم بخطوات تشبه النمل، كل خطوة كانت كأنها دقة قلب متسارعة.

وصلنا باب الشقة المكسور اللي سبناه الصبح. كان مفتوح حاجة بسيطة، وريحة بخور تقيل وياكلوه دخان نازل من جوة الشقة. العميد دفع الباب برجله ودخلنا والأسلحة موجهة للداخل…

في الصالة… وقاعد على الكرسي الهزاز القديم بتاع زوجتي الله يرحمها… كان قاعد راجل كبير في السن، لابس عباية بيضا، وفيده سبحة أبنوس بيلفها بهدوء عجيب، وجنبه على الطاولة الصندوق الخشبي الأسود أصله، الصندوق اللي سالت عشانه الدماء واتفتحت بسببه القبور!

أول ما رفعت عيني وشفت وشه… الصدمة خلّتني أرجع لورا خطوتين وشهقت بصوت طالع من قاع صدري:

“الشيخ مهران?!”

الشيخ مهران! الراجل الصالح، كبير أعيان البلد، الراجل اللي جاني ليلة الحادثة ويمسك إيدي ويهديني، الراجل اللي كان بيأمنا في الصلاة ويدعو لابني بالرحمة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *