الصالة كانت بتغلي على نار هادية، والمشهد اتحول من لمّة عيلة على فطار أول يوم في الشهر الكريم لمحكمة تفتيش كل أركانها بتهتز بالفضايح. ميرفت كانت قاعدة في الأرض ساندة ضهرها على النيش الخشب، عبايتها اتمرمطت في عصير الخشاف المدلوق على البلاط، وصوت شهقاتها وطالع زي حشرجة الموت. مفيش دموع حقيقية، كان خوف صرف، رعب الوشوش اللي بتتقلع عنها الأقنعة فجأة فتلاقي نفسها عريانة تماماً قدام حقيقتها القبيحة. ستّي كريمة محركتش صباع واحد، ولا حتى مدت إيدها تسند بنتها اللي بتمثل الانهيار. كانت باصة لميرفت بعينين جامدة مفيش فيها دمعة واحدة، بس الوجع اللي كان طالع من ملامحها كفيل يهد جبال. السنين اللي عاشتها ستّي تربي وتكبر وتشيل شقا أبوهم الله يرحمه وتصون القرش الأبيض لليوم الأسود، كلها كانت بتعدي قدام عينيها في شريط سريع ومر. رفعت راسها وبصتلي، وعينها البنية الدبلانة من الزمن بتطلب مني الحقيقة كاملة من غير أي رتوش. كملي يا ندى. صوت ستّي طلع واطي بس كان بيشق سكوت الأوضة كأنه موس. انتي بدأتي حبل الكلام، متسيبيهوش معلق. انطقي وقولي مين الشخص ده؟ وبنتي ميرفت ودّت شقايا وتعب السنين لمين؟ أمي سمر قربت من ستّي بخطوات بطيئة، وحطت إيدها على كتفها وهي بتعيط بحرقة يا أمي عشان خاطري اهدي.. الضغط هيعلى عليكي وسكرك هيسقط، تعالي ندخل جوة ونتفاهم بالراحة، بلاش كلام قدام الصغيرين.. ده رمضان يا أمي والناس صايمة. إسلام أخويا انتفض من مكانه فجأة، ووشه كان محتقن بالدم وعروق رقبته ناطة، صرخ في أمي بنبرة عصبية مقدرش يكتمها صغيرين مين يا ماما؟! انتي لسه شايفة إننا صغيرين ولازم نتداس بالجزم ويتخرب بيوتنا ونسكت عشان ست ميرفت تفضل عايشة دور الهانم الشريفة؟! بنك ووديعة وتحويلات وإحنا قاعدين زي المغفلين! انطقي يا ندى، متسكتيش، كملي وخلي العيلة دي تنضف من قرفها بقى! طارق جوزي مسك كتف إسلام وهداه براحة اهدى يا إسلام، متعلّيش صوتك على والدتك، كل حاجة هتتعرف بالعقل والأصول. طارق بصلي وهز راسه بهدوء، نظرة كان معناها خلاص، مفيش مجال للرجوع، الحقيقة لازم تتقال كلها ومفيش حد يلومك بعد كده. أنا وقفت، سندت إيدي على حرف السفرة وحسيت بتقل بطني والبيبي اللي في حشاي بيتحرك حركة خفيفة كأنه بيطمني. بصيت لميرفت اللي كانت بتدفن وشها في ركبها وبتندب بصوت واطي منك لله يا ندى.. خربتي بيتي.. منك لله يا شيخة. ضحكت ضحكة وجع، وقولتلها بصوت صافي مسموع لكل اللي في الصالة أنا اللي خربت بيتك يا عمتي؟ ولا انتي اللي بيتك مخروب من يومه بالكدب والسرقة والغل؟ فاكرة لما جيتيلي البيت من تمن شهور؟ فاكرة لما كنتي راكعة على ركبتك في صالوني زي ما انتي راكعة دلوقتي كده وبتبوسي إيدي عشان مقولش لأمي ولا لستّي؟ فاكرة حكايتك اللي لفتيها عليا ولا أفكرك بالاسم اللي انتي حولتيله الفلوس؟ ميرفت رفعت راسها فجأة، عينيها كانت محمرة كأنها جمر، وصوتها طلع مخنوق زي فحيح التعبان انتي ملكيش دعوة بيه! انتي متعرفيش حاجة! ده ابني.. ضنايا اللي من صلبي.. أرميه يعني؟! أسيبه يضيع عشان شوية ورق وفلوس وسخة؟! الكلمة نزلت على ودن ستّي زي الصاعقة. ابنك؟ ستّي سألت الكلمة وهي بتبص لميرفت بعدم استيعاب ابنك مين يا ميرفت؟ هو انتي حيلتك غير أحمد بنتك وبنتك التانية نهى؟ لأ يا ستي.. مش أحمد ولا نهى، أنا اللي رديت، ومسبتش لميرفت فرصة تلف وتدور أكتر من كده الفلوس اتحولت لحساب حسام.. حسام ابن جوزها المرحوم اللي الكل عارف إنه قاطعها ومبيطقش يشوف وشها من يوم ما أبوه مات وسابلها الشقة.. حسام اللي كلنا عارفين إنه بتاع قمار وشيكات من غير رصيد ومطارد من طوب الأرض! أمي شهقت شهقة خلتها ترجع لورا وتقعد على الكرسي مهدودة الحيل، وإسلام ضرب كف على كف وهو مش مصدق حسام؟! الصايع اللي كان بيتهجم عليكي زمان وكان عايز ياخد الشقة غصب؟! انتي بتديله ربع مليون جنيه من فلوس ستّي ليه يا ولية انتي؟! ميرفت انهارت في العياط بجد المرة دي، صوت نحيبها ملأ البيت، بس مكنش ندم على الفلوس، كان ذل وانكسار مرير. رفعت إيديها الاتنين في الهوا وبقت تضرب على فخادها وتولول مكنش في إيدي حاجة يا ماما! مكنش في إيدي! حسام كان ماسك عليا وصلات أمانة.. كان هيدخلني السجن ويفضحني في وسطيكم وفي المنصورة كلها! كان جايبلي ناس مسجلين لحد باب البيت يهددوني بالقتل لو مخدش نصيبه من فلوس أبوه اللي قالي إني لهفتها بعد ما مات! لهفتي إيه وسرقتي إيه؟! ستّي كريمة قامت وقفت، ومشيت خطوات تقيلة لحد ما وصلت لميرفت، وقفت فوق دماغها زي قاضي مبيعرفش الرحمة، صوتها كان بيتهدج من كتر القهرة أنا اللي جوزتك الراجل ده على عيني وعلى راسي، وأنا اللي اشتريتلك عزالك من لحمي الحي! وأبوكي الله يرحمه هو اللي دفع تمن نص الشقة اللي انتي قاعدة فيها عشان يسترِك ويبقى ليكي سقف يحميكي انتي وعيالك بعد ما جوزك فلس ومات مسلول! تروحي تكسري وديعتي.. الوديعة اللي شايلاها لمرضي وموتي، عشان تسكتي واد صايع ضيع فلوس أبوه في القمار والمخدرات؟! كنت خايفة يا ماما! ميرفت مسكت ديل جلابية ستّي وبقت تبوس في رجلها كنت خايفة اتفضح ويقولوا ميرفت مديونة وهتتسجن.. هو هدّدني إنه هيعملي قضية تبديد.. ندى عرفت بالصدفة لما شافتني معاه قدام البنك، ويومها روحتلها البيت وحكيتلها كل حاجة وحلفتلها إني هبيع حتة الأرض اللي ورثتها في البلد وأردلك الفلوس قبل ما رمضان يهل.. والله العظيم كنت هرجعهم! كدابة! أنا اللي صرخت المرة دي، مقدرتش أستحمل التلفيق وقلب الحقايق كدابة يا ميرفت! انتي مباعتيش الأرض ولا عمرك نويتي تبيعيها! انتي روحتي كتبتي الأرض باسم بنتك نهى الشهر اللي فات عشان تضمنين إن محدش يعرف يطالبك بمليم! ومجيتيش عندي تترجيني عشان خايفة على ستّي.. انتي جيتي عشان كنتي عارفة إني معايا صورة من إيصال التحويل اللي نسييته الموظفة على المكتب وأنا كنت وراكي بالصدفة في البنك وبخلص ورق القرض بتاع شقتي أنا وطارق! كل حاجة بدأت تتكشف زي خيوط الصوف لما تتفكك. أنا كنت رايحة البنك مع طارق عشان ننهي إجراءات شقتنا، وشوفت ميرفت داخلة مع حسام، مستخبية ورا نضارة شمس وشال أسود، شوفت التوتر اللي كان على وشها، ولما طارق لقى موظف صاحبه هناك وعرفنا إنها كسرت شهادة أمها بتوكيل قديم، واجهتها في نفس اليوم.. ميرفت جاتلي شقتي ودموع التماسيح مغرقة وشها، وحلفت برحمة أبوها إنها مجبورة وإن حسام مهددها بمسدس، وقالتلي استري عليا يا ندى ومش هحط عيني في عينك ولا هكسرلك كلمة والفلوس هتكون عند ستك قبل أول يوم رمضان. أنا سكت كل الشهور دي يا ستي، كملت وأنا دموعي بتنزل غصب عني من القهر سكت عشان قولت دي أخت أمي الكبيرة، وقولت بلاش أفضحها قدام عيالها والناس، وقولت يمكن ربنا يهديها وتبيع أي حاجة وتسد شقاكي اللي راح.. بس هي عملت إيه؟ جاية النهاردة على السفرة، مستقوية بيكي، وداخلة في لحمي، وبتعايرني بفقري وبتقول على حملي مصيبة، وبتشكك جوزي في شرفي قدام أخويا وأمي! البني آدمة دي مش مريضة دي شيطانة! مستكتراني الفرحة، وشايفة إنها لما تكسرني وتوطي راسي، محدش هيبص لسرقتها وخيانتها! الصالة اتقلبت لماتم. أمي سمر نزلت في الأرض جنب ميرفت وبقت تضربها على كتافها وتعيط ليه يا ميرفت؟ ليه تعملي فينا كده؟ طول عمرنا شايلينك وشايلين قرف عيالك وبنقول أختنا الكبيرة وضهرنا! تسرقي أمك في عز مرضها؟! تبيعينا عشان واحد ميسواش تلاتة مليم؟! ده أنا كنت بقطع من قوت بيتي وعيالي وأديكي لما تشتكي من الضيقة! ميرفت زقت إيد أمي بغل، وبصتلنا كلنا بنظرة كره صريح، خلاص، القناع وقع ومبقاش في داعي للتمثيل، مسحت دموعها بكم عبايتها، وقامت وقفت ونفضت هدومها بوقاحة غريبة، وصوتها اتغير من الاستعطاف للسم الخالص أيوة.. أيوة عملت كده! وفلوس أمي دي حقي وحق عيالي! إنتو طول عمركم عايشين في العز، سمر متجوزة موظف مرتاح وعيالها مكملين تعليمهم، والهانم ندى متجوزة مهندس واخدها ومدللها، وأنا بنتي مش لاقية جهازها وابني شغال على توك توك! الفلوس دي فلوس أبويا، مش فلوس أمي لوحدها! كان لازم ألحق نفسي وألحق بيتي من الفضيحة.. وأنتو كلكم لو مكاني كنتوا عملتوا كده وأكتر! اخرسي يا فاجرة! إسلام كان هيهجم عليها، بس طارق مسكه بقوة وشده لورا وهو بيهديه استهدى بالله يا إسلام.. ستّك تعبانة بلاش تهور. ستّي كريمة اتحركت بهدوء مرعب. راحت ناحية الباب الخشب بتاع الشقة، فتحته على آخره، الهوا الساقع بتاع المغربية دخل الصالة، وصوت مدفع رمضان كان بيضرب في التلفزيون والآذان بدأ يرفع الله أكبر.. الله أكبر… وقفت ستّي جنب الباب المفتوح، وشاورت بصابعها المرتعش على السلم اطلعي برة يا ميرفت. ميرفت بصتلها بجمود يا ماما.. اسم أمك ده متقوليهوش على لسانك النجس ده تاني! صوت ستّي زلزل البيت، الدموع أخيرًا نزلت من عينيها بس كانت دموع غضب وقسوة مش ضعف من اللحظة دي، لا انتي بنتي ولا أعرفك.. ولا ليكي أم ولا أهل.. وحق ربنا وشقايا، التوكيل اللي سرقتيني بيه هيتلغي بكرة الصبح بأول محضر في القسم، ووصل الأمانة اللي على حسام وصورة التحويل اللي مع ندى هتوديكي انتي وهو ورا الشمس.. ملكيش عندي غير المحاكم! ميرفت وشها رجع اصفر تاني، وحست بالخطر الحقيقي محاكم إيه يا ماما؟ انتي هتحبسي بنتك عشان وسخ دنيا؟! انتي اللي اخترتي وسخ الدنيا وفضلتيه على أهلك وعرضك وشرفك، ستّي ردت عليها بجمود اطلعي برة، ومن اللحظة دي رجلك متخصلش عتبة البيت ده تاني.. ولو شوفت وشك في جنازتي متدخليش تقرأي عليا الفاتحة! ميرفت بصت حواليها، ملقتش عين واحدة فيها شفقة.. إسلام بيبصلها باحتقار، أمي دافنة وشها في إيديها وبتنتحب، طارق باصص في الأرض ومش طايق يبصلها، وأنا واقفة راسي مرفوعة والوجع اللي كان خانقني الشهور اللي فاتت اتبدل براحة غريبة، راحة الحق لما يرجع لأصحابه. خدت ميرفت شنطتها من على الكونسول بعنف، وبصتلي نظرة كلها حقد وقالتلي وهي خارجة من الباب مش ههنيكي بلقمتك يا ندى.. وبكرة تشوفي! الباب اترزع وراها رقعة هزت العمارة كلها. الصمت رجع تاني، بس كان صمت مختلف.. صمت بعد العاصفة ما مرت وكسرت كل الفروع الناشفة والكدابة. صوت آذان المغرب كان لسه شغال، وجوامع المنصورة كلها بتكبر في نفس اللحظة لا إله إلا الله. ستّي قربت مني ببطء، خطوتها كانت مكسورة، بس لما وصلت عندي، شدتني لحضنها جامد.. حضن دافي ريحته عطر قديم ومسك، حضن فضلت أعيط فيه بحرقة كأني عيلة صغيرة لسه في اللفة. طبطبت على ضهري وعلى بطني براحة وقالتلي بصوت باكي حقك عليا يا بنتي.. حقك عليا إني سكتلها من الأول وخليتها تتطاول عليكي وعلى ضناك.. ربنا يجعله ولد صالح ويفرح قلبك بيه يا ندى، ويقومك بالسلامة.. والبيت ده ملهوش غيرك أنتي وأمك وأخوكي. أمي قربت وبقت تبوس في راسي وتعتذر لطارق اللي وقف محترم وقال محصلش حاجة يا أمي، دي قلة أصل من شخص واحد ومتمثلش العيلة.. المهم ستّي صحتها بالدنيا. إسلام راح جاب كوبايات مية وتمر، وحطهم قدامنا على السفرة يلا يا جماعة نسمي الله.. الصيام خلص والأذان بيخلص، والمغرب هيضيع علينا.. اللي راح راح، وأهم حاجة إننا عرفنا عدونا من حبيبنا. قعدنا على السفرة تاني، السفرة اللي كانت من نص ساعة مسرح لإهانة وتجريح، بس المرة دي كانت ممدودة بنفوس راضية ونضيفة، مفيهاش نفاق ولا خيانة مستخبية تحت الضحكات الصفرا. أكلنا تمرتنا وشربنا المية، ورغم الوجع اللي كان في قلب ستّي، إلا إن عينيها كانت هادية ومرتاحة، كأن حمل جبل انزاح من فوق كتافها بعد ما عرفت الحقيقة ومبقاش في أسرار توجعها في الضلمة. بعد الفطار وصلاة المغرب، قعدنا نشرب الشاي، وطارق طلع من محفظته كارت محامي صاحبه شاطر في قضايا الأموال العامة، واداه لستّي ولإسلام عشان يبتدوا الإجراءات القانونية من أول يوم بعد العيد، وميسبوش مليم واحد من شقاها يروح لهدر. بصيت لبطني ولمستها بحنية، وأنا حاسة إن اللي جاي في حياتي هيبقى أنضف وأصفى.. البيبي ده مجاش الدنيا عشان يكون همّ ولا مصيبة زي ما الشيطانة دي قالت، ده جه وكان وشه خير.. جه وطهّر العيلة دي من أوسخ ما فيها، وكشف المستور عشان نعيش اللي باقي من عمرنا على بياض ومن غير غش.