بنتي حكايات ميرا

حتى صوت الأمواج كان كفاية يرجعني لليوم ده بكل تفاصيله.
لكن أحمد فضل يطلب مني.
وفي الآخر وافقت.
كنا ماشيين جنب ممشى البحر، وبنحاول نقضي اليوم من غير ما نقرب من الشاطئ.
وفجأة…
شفت ست واقفة قدام كافيه صغير.
كانت مدياني ضهرها.
شكلها في أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات.
لكن اللي شد انتباهي مش هي.
كان اللي لابساه.
كاش مايوه تركواز باهت.
قلبي دق بعنف قبل حتى ما عقلي يستوعب.
قلت لنفسي:
مستحيل.
اللون ده موجود في كل حتة.
أكيد مجرد تشابه.
لكن في اللحظة اللي هبت فيها نسمة هوا ورفعت طرف القماش…
شوفت الشمس الصفراء الصغيرة.
نفس الغرزة المايلة.
نفس المكان.
نفس الكاش مايوه.
رجلي اتحركت لوحدها.
سيبت أحمد ورايا ومشيت ناحية الست.
وقفت خلفها وقلت بصوت مرتعش:
«لو سمحتي… إنتِ جبتي الكاش مايوه ده منين؟»
الست لفت ناحيتي.
بصت للهدوم اللي لابساها، وقالت:
«ده؟»
قلت:
«أيوه… ده.»
ملامحها اتغيرت.
وقالت بهدوء:
«أنا عندي من سنين.»
إيدي بدأت ترجف.
طلعت موبايلي.
وقع مني مرة.
ولما حاولت أفتحه وقّع مني تاني تقريبًا.
وبعد محاولات، أخيرًا فتحت الصورة.
صورة مريم وهي عندها 16 سنة.
واقفة على الشاطئ.
ولابسة نفس الكاش مايوه.
ونفس الشمس الصفراء المايلة كانت ظاهرة عند طرفه.
مديت الموبايل للست.
ثواني طويلة عدت من غير ما تتكلم.
فضلت تبص للصورة.
وبعدين بصتلي.
وفجأة…
بصت ورايا.
ملامح وشها اتبدلت تمامًا.
مدت إيدها بسرعة، ومسكت رسغي.
وقربت مني وهمست:
«خبّي الصورة… بسرعة.»
اتجمدت مكاني.
قلت:
«إيه؟ ليه؟»
ضغطت على إيدي أكتر، وقالت بصوت منخفض جدًا:
«هي مينفعش تعرف إنك هنا.»
في اللحظة دي، بصيت ورايا…
واللي شوفته خلاني أنسى حتى إني أتنفس.
واللي شوفته خلاني أنسى حتى إني أتنفس.
كانت فيه بنت واقفة على الناحية التانية من الشارع.
لابسة نظارة شمس كبيرة، وشعرها مربوط للخلف، وبتبص ناحيتنا من غير ما تتحرك.
لكن حاجة واحدة شدت انتباهي…
كانت بتبص للست اللي قدامي.
الست قربت مني أكتر وهمست:
«ما تبصيش عليها تاني… ومتخليشها تشوف وشك.»
قلت وأنا مش فاهمة:
«مين دي؟ ومين إنتِ أصلًا؟ وإيه علاقة بنتي بيكي؟»
وشها اصفر.
وقالت:
«أنا مش اللي المفروض تسأليه الأسئلة دي… إنتِ لازم تمشي من هنا حالًا.»
مسكت إيدي وبدأت تسحبني ناحية مدخل الكافيه.
لكن قبل ما أدخل، سمعت صوت البنت من ورايا:
«ماما؟»
الست وقفت مكانها.
وأنا حسيت إن قلبي وقع في الأرض.
ماما؟!
بصيت للست، ثم للبنت.
البنت خلعت نظارتها.
وفي اللحظة دي، الدنيا كلها اختفت من حواليا.
لأن ملامحها…
رغم إنها كانت أكبر من الصورة بسنين…
لكن عينيها كانت نفس عيون مريم.
نفس النظرة.
نفس الطريقة اللي كانت بتضيق بيها عينيها لما الشمس تكون قوية.
اتسمرت مكاني.
وخرجت مني الكلمة من غير ما أحس:
«مريم؟»
البنت شهقت.
والست حطت إيدها على بوقي بسرعة.
لكن البنت كانت سمعتني.
قربت خطوة وقالت:
«إنتِ… تعرفي الاسم ده منين؟»
قبل ما أرد، الست صرخت:
«ادخلي جوه!»
البنت بصتلها باستغراب.
وفي اللحظة دي، ظهر أحمد وهو بيجري ناحيتي.
أول ما شاف البنت، وقف.
بصلي.
وبعدين بص لها.
وشه اتغير بشكل عمري ما شفته عليه.
قال بصوت منخفض:
«سحر… إحنا لازم نمشي.»
بصيت له مصدومة:
«إنت عارفها؟»
ما ردش.
قلت بصوت أعلى:
«أحمد! إنت عارف البنت دي؟»
البنت نفسها بدأت تبص بينا بحيرة.
لكن الست كانت أسرع.
طلعت من جيبها ظرف صغير ومدتهولي.
وقالت:
«لو لسه عايزة تعرفي بنتك راحت فين من 8 سنين… افتحي الظرف ده لوحدك.»
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه بخط اليد:
«إلى أم مريم… لو وصلتي لهنا، يبقى هم عرفوا إنك رجعتي تدوري عليها.»
رفعت عيني للست.
«مين هم؟!»
لكنها ما ردتش.
لأن في اللحظة نفسها، عربية سوداء وقفت قدام الكافيه.
والبنت أول ما شافتها…
وشها اتجمد.
وقالت:
«لا… مش تاني.»
ثم همست:
«ماما… لازم نستخبى.»
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين.
وكان جواه صورة قديمة لمريم وهي عندها 16 سنة… لكن الصدمة إن الصورة ما كانتش من يوم اختفائها.
كانت مريم واقفة في مكان مغلق…
وبجانبها ثلاث بنات تانيين.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
«مريم لم تختفِ… مريم كانت واحدة من أربع.»



