احمد عمار اختفت من وسط الجبال وبعد 3 سنين لقوها جوه كهف مظلم. كانت عايشة ونضيفة وبتبتسم وهي مش بترمش. لكن أول كلمة قالتها للمُنقذين كانت متخرجونيش! من 3 سنين، ليان محمود خرجت من بيتها وقالت لوالدها متقلقش يا بابا هرجع قبل المغرب. كانت عندها 19 سنة، طالبة علوم بيئة، ومهووسة بالطبيعة والجبال والنباتات النادرة. اليوم ده كانت رايحة منطقة جبلية قريبة من سانت كاترين عشان تجمع عينات لمشروع في الجامعة. شنطتها على ضهرها. كاميرتها معاها. ومياه كفاية لليوم. ولا أي حاجة كانت تقول إن دي هتكون آخر مرة أهلها يشوفوها فيها. آخر صورة ليها اتصورت بكاميرا مراقبة عند مدخل أحد المسارات الجبلية. نزلت من عربيتها. عدلت شنطتها. بصت حواليها. وبعدين دخلت بين الصخور والأشجار. ومن اللحظة دي اختفت. بالليل، لما ما رجعتش، والدها اتصل بيها. الموبايل مقفول. اتصل تاني. مفيش رد. وبعد ساعات، بدأت عمليات البحث. فرق إنقاذ. متطوعين. كلاب مدربة. المنطقة كلها اتفتشت. دوروا في الوديان. بين الصخور. وفي الممرات الضيقة. لكن مفيش أي أثر. لا شنطة. لا موبايل. لا هدوم. ولا حتى علامة واحدة تقول حصل لها إيه. وبعد أيام، واحد من المتطوعين لقى حاجة غريبة. بومة صغيرة منحوتة من الخشب. كانت متحطوطة فوق جذع شجرة جنب مجرى مياه. مش مرمية. مش مكسورة. متوضعة بعناية كأن حد حطها هناك مخصوص. الغريب إن كلاب البحث وصلت للمكان ده فعلًا. لكن فجأة وقفت. رفضت تكمل. فضلت تشم الأرض وتلف حوالين نفسها. كأن ريحة ليان انقطعت فجأة. عدت الأيام. وبعدين الشهور. وبعدين سنة. سنتين. تلات سنين. والملف اتحط على الرف باعتباره اختفاء غامض. لكن والدها ما فقدش الأمل. كان دايمًا يقول بنتي لسه عايشة. لحد ما في يوم وصل خبر قلب كل حاجة. مجموعة من مستكشفي الكهوف كانوا بيدوروا في منطقة جبلية نائية قرب سانت كاترين. ولقوا مدخل كهف قديم. المدخل كان ضيق جدًا. دخلوا واحد ورا التاني. كل ما كانوا بيتقدموا، الظلام كان بيزيد. لحد ما وصلوا لغرفة صخرية مخفية في عمق الكهف. واحد منهم وجه الكشاف ناحية آخر الغرفة وفجأة وقف مكانه. كان فيه شخص قاعد. في البداية افتكروها جثة. لكن الشخص حرّك راسه. قربوا بالكشاف. وبعد ثواني، عرفوها. ليان. البنت اللي اختفت من 3 سنين. كانت عايشة. لكن شكلها كان هو أول حاجة خوفتهم. هدومها نضيفة. مفيش عليها تراب تقريبًا. جسمها مش باين عليه آثار الجوع اللي المفروض يحصل لحد عاش 3 سنين في كهف. والأغرب إنها ما صرختش. ما طلبتش النجدة. ما حاولتش تقوم. بالعكس. فضلت قاعدة مكانها وبصت لهم. وبعدين ابتسمت. ابتسامة واسعة. ثابتة. غريبة. واحد من المستكشفين قال ليان؟ ما ردتش. وجه الكشاف ناحية عينيها. النور كان قوي جدًا. لكن ليان ما رمشتش. ولا مرة. واحد من المستكشفين قرب منها وسألها إنتِ كنتِ هنا لوحدك كل السنين دي؟ ليان فضلت ساكتة. وبعدين بصت وراهم. ملامحها اتغيرت. الابتسامة اختفت. وفجأة ظهر الرعب في عينيها. مسكت إيد واحد من المستكشفين بقوة وقالت بصوت واطي لو سمحت متخرجونيش من هنا. اتجمد مكانه. ليه؟ ليان بصت ناحية أعمق نقطة في الكهف. وسكتت. ثواني من الصمت وبعدين سمعوا صوت جاي من الضلمة. خطوة. وبعدها خطوة تانية. خطوات تقيلة بتقرب منهم. ليان بدأت ترتعش. وهم بصوا لبعض، قبل ما يوجهوا الكشاف ناحية الصوت. لكن اللي ظهر قدامهم كان مجرد بداية للحقيقة. لأنهم اكتشفوا إن ليان ما كانتش لوحدها في الكهف طوال التلات سنين. الكشاف اتحرك ببطء. الصوت كان بيقرب. خطوة ثم خطوة ثم صوت عصاية بتخبط في الأرض. وفجأة ظهر راجل عجوز من قلب الضلمة. كان لابس جلابية قديمة، وماسك عصاية. أول ما شاف المستكشفين، وقف مكانه. وبص لليان. ليان جريت عليه. اتعلقت في هدومه وقالت أنا قولتلك مش عايزة أخرج. المستكشفين بصوا لبعض. واحد منهم قال إنت مين؟ العجوز رد بهدوء اسمي عمران. وإنت كنت عايش معاها هنا؟ سكت عمران شوية. وبعدين قال أيوه. الشرطة وصلت بعد ساعات. واتاخد عمران للتحقيق. وأول سؤال اتسأل خطفت ليان؟ العجوز هز راسه. لأ. أمال إيه اللي حصل؟ بص عمران ناحية ليان. وقال هي اللي طلبت تفضل. والد ليان لما سمع الكلام ده انهار. صرخ بنتي كانت عندها 19 سنة! يعني إيه طلبت تفضل؟! لكن المفاجأة كانت إن ليان نفسها أكدت كلام عمران. قدام المحققين قالت هو أنقذ حياتي. وبدأت تحكي. في اليوم اللي اختفت فيه، ليان كانت دخلت ممر جبلي ضيق. وفجأة حصل انهيار صخري. وقعت في شق عميق. اتكسرت رجلها. وفقدت الوعي. لما فاقت، كانت في ظلام كامل. صرخت أيام. لحد ما عمران سمعها. كان يعرف الكهوف دي من سنين. نزل لها. عالج جرحها. وكان بينزل كل يوم يجيب لها مياه وأكل. لكن المشكلة إن الطريق للخروج كان أخطر من المكان اللي كانت فيه. وفي محاولة لنقلها، حصل انهيار تاني. ساعتها عمران قال لها لو خرجنا دلوقتي، ممكن نموت إحنا الاتنين. ففضلت. لكن الأيام تحولت لشهور. والشهور لسنين. ولأن عمران كان بيعيش في جزء تاني من الكهف، كان عنده مخزون مياه وأكل بسيط، وكان يعرف نباتات برية صالحة للأكل. أما ليان فبدأت تتأقلم. لكن كان فيه سر ما عرفوش غير بعدين. ليان ما كانتش بتخاف من الكهف. كانت بتخاف من الخروج منه. لأنها في أول سنة حاولت تخرج وحدها. وفي طريق الخروج سمعت صوت ناس. افتكرت إن فرق الإنقاذ وصلت. جريت ناحية الصوت. لكنها اكتشفت إن الصوت كان ناتج عن صدى غريب داخل ممر جانبي. ومن شدة الخوف والارتباك، وقعت واتصابت تاني. من وقتها بدأت تصدق إن الجبل نفسه بيحبسها. وعمران، بدل ما يجبرها، كان بيحاول يحميها. لكن السؤال الأصعب ظل موجودًا ليه هدومها كانت نضيفة؟ وليه جسمها ما كانش بالشكل المتوقع لشخص عاش سنين في كهف؟ الجواب كان أبسط مما توقع الجميع. الغرفة اللي كانت عايشة فيها ما كانتش كهفًا طبيعيًا مهجورًا. كانت غرفة قديمة استخدمها ناس من المنطقة من عشرات السنين كمخزن. فيها مصدر مياه جوفية صغير. وفيها فتحات تهوية. وعمران كان بينظف المكان باستمرار. وكان عنده ملابس ومستلزمات مخزنة. أما الطعام فكان بيخرج من فتحة سرية تانية في الجبل، بعيدة عن المسار اللي فرق البحث كانت بتفتشه. وبكده اتفسر كل شيء. لكن لسه فيه سؤال واحد ليه ليان ما طلبتش النجدة لما المستكشفين وصلوا؟ وهنا قالت الحقيقة. ليان بصت لأبوها وقالت أنا كنت خايفة. خايفة من إيه يا بنتي؟ دموعها نزلت. خايفة أخرج وأرجع أشوف العالم اللي سبتُه. سكت أبوها. قرب منها. ومسك إيدها. وقال العالم ده هو بيتك. ليان انهارت في حضنه. ولأول مرة من تلات سنين بكت بصوت عالي. بعد أيام، التحقيق أثبت إن عمران ما خطفش ليان. بل إنقاذه ليها هو اللي أنقذ حياتها في الأيام الأولى. لكن السلطات حمّلته مسؤولية عدم إبلاغهم بعد استقرار حالتها، خصوصًا بعد مرور وقت طويل. أما ليان فدخلت برنامج تأهيل نفسي واجتماعي، وبدأت تستعيد حياتها بالتدريج. رجعت جامعتها. لكنها ما رجعتش لنفس ليان القديمة. بقت أهدى. وأقل كلامًا. وأكثر ارتباطًا بالطبيعة. وبعد شهور رجعت مع والدها للمكان اللي اختفت فيه. وقفت قدام مدخل الجبل. بصت للكهف من بعيد. والدها قال عايزة ندخل؟ ليان هزت راسها. لأ. سألها ليه؟ ابتسمت وقالت عشان المرة دي أنا اللي باختار أرجع البيت. ومشيت معاه. لكن قبل ما تركب العربية وقفت فجأة. وبصت ناحية الشجرة اللي كانت موجودة عندها البومة الخشبية. كان فيه شيء متثبت عليها. اقتربت. ولقت البومة نفسها. نفس البومة اللي لقوها يوم اختفائها. مسكتها بإيديها. وقلبتها. ولأول مرة اكتشفت إن تحتها كان محفور سطر صغير جدًا. لو خرجتي متنسيش إنك كنتِ أقوى مما كنتِ فاكرة. ليان فضلت ساكتة. وبعدين ابتسمت. مش الابتسامة الغريبة اللي شافها المستكشفون أول مرة لكن ابتسامة طبيعية. ابتسامة بنت رجعت لأبوها. رجعت لحياتها. ورجعت لنفسها. ومن يومها، كل سنة في نفس التاريخ كانت ليان بتروح الجبل. مش عشان تختفي. لكن عشان تفتكر إنها نجت. أما آخر صورة اتصورت ليها هناك فكانت واقفة جنب والدها، ماسكة البومة الخشبية. وعينيها المرة دي كانت بترمش. لأن ليان محمود أخيرًا خرجت من الكهف من غير ما تسيب جزءًا منها جواه.