في ليله العيد حكايات رشا 2

مسكت شنطتي، وقلت لهم بصوت هادي: — أنا داخلة أنام عشان عندي شغل مهم بكرة الصبح. والأكل اللي في الثلاجة بتاع بنتي بس، اللي عايز ياكل.. المطبخ مفتوح، بس البوتجاز بيحــ,,ـــــرق الأكل لو سيبتوه من غير مراقبة. دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح.
سمعت برة دوشة وزعيق وصوت حماتي بتصرخ في أحمد: “شوف حل لمرتك يا خايب! الست ركبت ودليت رجليها!” وصوت أخت جوزي وهي بتلم هدومها وتزق ابنها وتقول “أنا رايحة بيتي، الشقة دي بقت تطاق!”. قعدت على السر,,ـــــير، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة بسلام.
مسكت الموبايل، وفتحت التطبيق البنكي.. نزلت لي مكافأة التقدير الأولى عن شغل الأسبوع، مبلغ محترم، أضعاف أضعاف العيدية اللي اتوزعت في ليلة العيد. ابتسمت، وعرفت إن المواجهة الكبيرة مش هتبقى في البيت بس.. بكرة في الشركة، فيه خطوة جديدة هتغير مسار حياتي كلياً، وهتخلي أحمد يندم على كل لحظة فكر فيها إنه يقلل مني.
الصبح بدري، الساعة كانت سبعة إلا ربع. خرجت من الأوضة وأنا لابسة بدلة جديدة باللون الزيتي القاتم، وبنطلون قماش مظبوط، وكعب عالي يررن في الصالة مع كل خطوة. البيت كان ريحته كئيبة، عبارة عن بواقي عشا البارح ومواعين ملهاش صاحب، وأحمد قاعد على الكنبة بجلابيته، شكله مانامش طول الليل، تحت عينيه هالات سودا ووشه شاحب من قلة النوم والتفكير.
حماتي كانت قاعدة في زاوية الكنبة، لافة طرحتها وشكلها مهزوم، وأخت جوزي كانت لمّت شنطها وواقفة مستنية تاكسي عشان تهرب لبيتها بعد ما أدركت إن “الخدمة المجانية” انتهت للأبد. أول ما شافوني خارجة، أحمد وقف بسرعة واعترض طريقي في الممر.
قال بصوت مبحوح ومكسور، لكنه بيحاول يحافظ على شوية من كبريائه المزيف: — شيماء.. أنتِ بجد هتمشي وتسيبي البيت بالشكل ده؟ أمي مريضة ضغط ومش قادرة تقف على رجلها تعمل لقمة، وبنتك عندها امتحان في المدرسة الأسبوع الجاي.
. أنتِ إزاي بقيِتِ بالقسوة دي؟ فين شيماء اللي كانت بتضحي عشان كل الناس؟ وقفت قدامه وبصيت في عينيه بثبات يوزن جبال، وقلت بصوت هادي وواثق: — شيماء اللي كانت بتضحي ماتت ليلة العيد يا أحمد.. يوم ما وقفت قدام أهلك كلهم، ورميت لها جنيه، وضحكتوا كلكم عليها وكأنها خدامة ملهاش قيمة ولا كرامة.
شيماء الجديدة هي اللي واقفة قدامك دلوقتي.. مديرة مشروعات، بتعرف قيمة وقتها ومجهودها كويس أوي. حماتي اتكلمت بصوت فيه شبق ونبرة انكسار لأول مرة: — يا بنتي.. يهديكي يرضيكي، المسامح كريم.. كان هزار وحقك عليا، ارجعي لبيتك وعقلك وهاتيلنا فطار نتلم عليه ونفتح صفحة جديدة.




