ابني ساب مراته الاخير

وقفت العمارة كلها في أذان الفجر على صريخ ونحيب. الخبر نزل على دماغنا زي الصاعقة التي هدت السقف فوق رؤوسنا. المحامي الأجنبي واقف وفي إيده أمر التنفيذ ورجال الشرطة مستنيين برة، والعربة بتاعة الإسعاف مركونة والأنوار الخضرا بتاعتها بتلف في الضلمة، وابني جوة نايم بين الحياة والموت، مش دريان بإن البيت اللي هرب منه وسابه، طالعة منه طعنة جديدة تهد كل حاجة.
أنا ماسكة في سور البوابة الحديد بكل قوتي، ضوافري بتغرس في الصدأ والدموع بتغرق وشي، بصرخ بصوت محشرج يقطع القلب:
— “بيت إيه اللي يتشمع؟ وبيع إيه ومزاد إيه يا ظلمة؟ البيت ده بيت ابني وعيال ابني! نروح فين في نص الليل والولد مرمي في الإسعاف بيموت؟ ارحمونا يرحمكم ربنا!”
المحامي بص لي بنظرة ناشفة ما فيهاش نقطة رحمة، ورفع الورق المترتب ورسمي قدام وشي وقال بصوت صارم:
— “الكلام ده تقولوه في المحكمة يا حجة. الزوج الهربان كتب شيكات وإيصالات أمانة بمبالغ مهولة للشركة اللي كان شغال فيها باسم مزور قبل ما يهرب بورسعيد، والقاضي أصدر حكم بات بالتحفظ والتنفيذ على كافة ممتلكاته المسجلة باسمه وفاءً للديون.. والأستاذة مرات ابني حيازتها للشقة كانت بصفتها زوجة، لكن لما الممتلكات نفسها تترهن للديون الرسمية السابقة على تاريخ التمكين، يبطل قرار التمكين ويبقى الشارع هو المأوى لحد ما الدين يتسدد!”
الكلمة قطعت النفس من صدري.. الشارع؟ الكلمة اللي كنت بقولها لمرات ابني بقسوة وتباهي: “الشارع أهو يسعكم كلكم”، ردت عليا في وشي وفي وش ابني وفي وش العيال الصغيرة اللي كانوا واقفين يرتجفوا من البرد والخوف.
ابني جوة الإسعاف بدأ يفوق، وشاف الخناقة والشرطة والورق، حاول يقعد على السرير الطبي والخراطيم متوصلة بجلده، بدأ ينتحب بصوت واطي ومكسور وهو بيبص من الشباك:
— “يا لهوي عليا وعلى حظي… ضيعتكم وضيعت نفسي! أنا الشيكات دي كتبتهم تحت التهديد لما كنت هربان… البيت يضيع مننا يا أمي؟ الشارع هيرمينا كلنا؟”
المديرة بتاعة المدرسة وقفت في وسط الزحمة وقالت للمحامي بتاع الشركة بصوت جاد هز المكان:
— “أستاذ محامي.. الناس دي طالعة من جراحة عاجلة ومعاهم قرار إخلاء صحي وتحفظ، والست دي معاها أطفال قصر والبيت فيه شغالة وتجارة قائمة بقوة القانون.. مهلة أسبوع على الأقل لتدبير أمرهم أو تقديم طعن وإشكال في التنفيذ!”
المحامي رد وهو بيمضي على محضر التنفيذ:
— “المهلة المسموح بيها قانوناً هي أربعة وعشرين ساعة فقط للتهنئة والإخلاء.. بكرة الساعة خمسة المسا الشمع الأحمر هيتحط على باب العمارة بالكامل!”
في اللحظة دي، الموقف كان يطير العقل. الشارع تحت العمارة بقى زحمة، الجيران بيسقوا الحكايات ويتفرجوا، وأنا وقعت على ركبي في التراب، كفوفي على وشي وأنا ببكي بدموع الحصرة والندم. بصيت لمرات ابني…
الست اللي كنت شايفاها ضعيفة، الست اللي كنت باخد أكلها وشقاها بالسيف وأقولها “أصلك قاعدة في بيتي”، كانت واقفة في وسط المأساة دي كلها زي الجبل. ما بكتش، ولا صرخت، ولا لطمت زيي.
ربطت طرحتها كويس، وقربت من المحامي والشرطة وقالت بصوت هادي كأن الحصى بيتكسر جوة حنجرتها:
— “أربعة وعشرين ساعة يا حضرة الظابط.. وبكرة الساعة خمسة الشقة هتكون فاضية، ومش هنسيب فيها قشة واحدة.”
بصيت لها وأنا مش مصدقة، صرخت فيها وأنا بمسك رجليها:
— “تقولي إيه يا بتي؟ هنروح فين؟ هننام في الشارع؟ وابنك المريض ده هنوديه فين؟”
بصت لي مرات ابني بصة حزينة، بصة مليانة كبرياء وستر ربنا، وحطت إيدها على كتفي وقالت بالراحة:
— “البيت اللي يتبنى على ظلم وقهر يا حماتي، عمره ما بيدوم ولا بيستر حد.. العمارة دي طالعة بشقا ومكر، والقرش الحرام بيأكل الحلال.. قومي يا حماتي، قومي لمي حاجتك.. اللي سترنا في المطبخ الصغير وأحنا بنبيع أطباق المحشي بالقرش، مش هيضيعنا والشارع مش هيضمنا طول ما لينا رب كريم وإيدين شقيانة بحلال.”
طلعت مرات ابني الشقة بسرعة، وبدأت تتصل بكل المدرسين وأولياء الأمور والزبائن اللي بيتعاملوا معاها في التفريزات والأكل الدافي. حكت لهم في التليفون بوضوح ومن غير خجل: “البيت بيتفاجأ بديون قديمة وهنعزل بكرة، ومحتاجة مكان صغير أو مخزن أفتحه مطبخ وأعيش فيه أنا وعيالي”.
وفجأة… النجدة جات من المكان اللي ما كانش يخطر على بال حد.
مديرة المدرسة، أختها، وثلاث ستات كبار من أمهات الطلاب اللي كانوا بيشتروا منها الأكل، وصلوا العمارة الساعة تسعة الصبح بعربياتهم.. الستات دول لما عرفوا باللي حصل، رفضوا يسيبوها ترمى في الشارع.
المديرة طلعت مفتاح شقة أرضية بحديقة صغيرة مملوكة لزوجها المستشار في منطقة قريبة، وقالت لمرات ابني قدام كل الجيران:
— “يا أم فلان.. الشقة دي مقفولة ومحدش ساكن فيها، هتستلميها من النهار ده بعقد إيجار رمزي، والحديقة بتاعتها هنسجلها باسمك رسمي كـ’مطبخ مركزي’ لتجهيز وجبات المدرسة والمناسبات.. حقك وشقاكي ونظافتك هما ضمانتك عندنا!”
الجيران وقفوا مذهولين، وأنا واقفة أعيط ومش مصدقة عينيا.. الست الغلبانة اللي كانت بتمسح دموعها في المريلة وتحت رحمة صينية محشي، الناس بقت تتسابق عشان تسترها وتساعدها وتفتح لها الأبواب المقفولة، وأنا وابني أصحاب البيت بقينا بندور على حتة أرض يقبلوا يرمونا فيها!
نزلوا العفش، ونقلنا ابني على سرير دافي في الشقة الجديدة وهو يبكي ويهذي باسمها ويطلب السشامح، وأنا دخلت المكان الجديد راسي في الأرض، مش قادرة أحط عيني في عينها.
لكن المطبخ الجديد الشغال، والورق اللي وصل من المحكمة بليل عن مكان الشيكات الأصلية، كان بيعد لمفاجأة ثانية هتغير كل الأوراق المتبقية في هذه القصة!
استقرت الأوضاع في الشقة الأرضية الجديدة الشبيهة بالواحة الوسط العاصفة، شقة دافية، وفي ظهرها حديقة واسعة اتجهزت بأبسط الإمكانيات لتتحول لمطبخ مركزي حقيقي يورد أكل لنصف مدارس الحي ومطاعمه.
الشمس كانت بتشرق كل يوم على حركة ودبة شغل لا تتوقف من آذان الفجر؛ مرات ابني واقفت في وسط الحديقة، أسطول صغير من الصوايا والحلل الكبيرة، ومعاها ثلاث ستات من الحي شغلتهم معاها باليومية عشان يكفوا الطلبات والأوردرات اللي بقت تنزل عليها زي المطر. الضحكة رجعت لوش عيالها، هدومهم بقت نظيفة، وراسهم مرفوعة بين زمايلهم في المدرسة، والكل بيتكلم عن “أم فلان” الست الأصيلة اللي قامت من تحت الردم وبقت صاحبة مشروع ومصدر رزق لبيوت كتير.
أما جوة الشقة… فكان الموقف يقطع القلب وعكس ده تماماً.
ابني كان راقد على السرير في الأوضة الجوانية، وشه دبلان وزي الورقة المحروقة. الجرح بتاع العملية كان بيوجعه مع كل نفس، والخراطيم والمحاليل لسه متوصلة بجسمه، وتحت الإقامة الإجبارية والعفو الصحي المؤقت اللي بيخليه كل يوم محتاج تقارير طبية تترفع للنيابة. كان قاعد زي الأسير في قفص، يسمع من شباك الأوضة صوت أمه وصوت مراته وهي ببتوجه العمال وتبيع وتشتري وتكسب من حلال، وهو مش قادر حتى يقوم يروح لحد الحمام من غير ما يستند على الحيطة.
أنا كنت قاعدة جنبه على الكنبة، حانية ضهري ومكسورة العين. بقيت أنا اللي بقوم أخدمه، أغسل له هدومه وأغير له على الجرح، وأخرج بكسرة نفس للمطبخ عشان أطلب من مرات ابني اللقمة والشوربة السخنة اللي تسند طوله وطولي..
المرة دي لما كنت أطلب الأكل، ما كنتش بأطلعه بجباري ولا أقول “الخير تحت إيدي”. كنت بأدخل المطبخ وراسي في الأرض، أقول بصوت واطي ومخنوع:
— “يا أم فلان… لو فيه فضلة شوربة سخنة أو لقمة طرية لأبو العيال عشان ياخد دوا الجرح…”
كانت تبص لي بهدوء، تصب الشوربة في طبق نظيف، وتحط معاها أكل دافي، وتقدمه لي بأدب جم ورقي يذبحني ألف مرة.. ما عيرتنيش، ولا قالت لي “أين الشارة اللي كنتِ بتاخدي بيها الأكل؟”، ولا ردت لي الصاع صاعين. سكوتها وأدبها كان أشد عليا من ألف شتيمة، كان بيعرفني قد إيه أنا كنت عمياء وقاسية، وقد إيه هو كان هربان وناقص.
ابني كان بياكل اللقمة والدموع نازلة من عينيه على الطبق، يبص لي ويقول بصوت مبحوح:
— “شايفة يا أمي؟ شايفة الست اللي أنا طفشت منها وسيبتها للفقر والذل؟ شايفة اللي كنت فاكر إن العرف بالفهلوة وبورسعيد هيغنيني عنها؟ هي اللي بتأكلنا وتسترنا بعد ما طردونا من بيتنا، ومراتي الثانية سرقتني ورمتني في التخشيبة، وأصحاب الشيكات جردوني من حيلتي!”
وفي يوم، وأنا قاعدة جنبه بغير له على الجرح، الموبايل بتاع مرات ابني رن برة في المطبخ.
سمعنا صوت المحامي بتاعها بيتكلم بصوت حاد ومتحمس. لحظات والباب بتاع الأوضة اتفتح، ودخلت مرات ابني ومعاها المحامي والمديرة.. كان في إيد المحامي حافظة مستندات سوداء تقيلة، ووشه ينطق بمفاجأة من العيار الثقيل هتهز كل الأوراق المتبقية.
المحامي قعد على الكرسي وبص لابني الراقد على السرير، وبعدين بص لي وقال بلهجة قطعية:
— “يا جماعة.. إحنا كنا بنفحص أوراق الشيكات والديون القديمة اللي بسببها الصادر حكم بمزاد العمارة والبيت اللي اتطردتم منه.. ولما تتبعنا أصل الشركات الشاكية والمبالغ المكتوبة، اكتشفنا حاجة تهز القضية كلها!”
ابني اتعدل بنصف جسمه بالعافية وهو ينهت:
— “حاجة إيه يا أستاذ؟ الشيكات دي أنا كتبت جزء منها وأنا هربان بس المبالغ المكتوبة في المحكمة كانت أضعاف أضعاف اللي استلفته!”
المحامي ابتسم ابتسامة واثقة وطلع ورقة مائية رسمية مختومة من الطب الشرعي ومباحث الأموال العامة وقال:
— “بالظبط! الزوجة الثانية اللي اتجوزتها في بورسعيد في السر، ومعاها المحامي بتاع الشركة القديمة، زوروا صلب الشيكات دي وضاعفوا المبالغ عشر مرات، وزوروا توقيعات إضافية عشان يستولوا على العمارة بالكامل ويبيعوها في المزاد العلني لحسابهم الخاص لحساب شركة وهمية أسسوها برة المحافظة!”
صرخت أنا وابني في نفس اللحظة: “إيييه؟ زوّروا الشيكات؟”
المحامي كمل كلامه وثباته يدرس:
— “أيوه.. وتقرير الطب الشرعي الصادر اليوم أثبت التزوير بالكامل! وبناءً عليه، النيابة العامة أصدرت قرار فورياً بوقف المزاد العلني على العمارة، والتحفظ على الزوجة الثانية ومحامي الشركة بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء على ممتلكات غيرهم.. والعمارة والبيت راجعين رسمياً لحيازة الزوج والأولاد خلال أيام قليلة بعد إنهاء الإجراءات!”
القاعة والأوضة سكتت سكتة يرعب.. ابني بص لمراته بعيون مليانة دهشة ودموع، وأنا بقيت ألطم على صدري ومش مصدقة. العمارة راجعة؟ البيت اللي أطردنا منه راجع؟
ابني مسك إيد مراته وشها، وهو بيبكي بكاء هيستيري ويصرخ:
— “يا أم فلان! العمارة راجعة! حقنا رجع! والست النصابة اللي هربت للباطل اتفضحت! سامحيني يا أم فلان.. والله العظيم هكتب لك العمارة كلها باسمك وباسم العيال، والله ما هبص لغيرك ولا هخرج من طوعك طول عمري! أرجوكي رجعي لي بيتي وعيلتي سامحيني!”
أنا كمان نزلت على ركبي قدامها، مسكت إيدها وبكيت بحرقة:
— “سامحيه يا بتي.. سامحينا إحنا الاثنين، ربنا كشف الظالمين ورجع الحق لأهله بفضل دعاكي وشقاكي.. تعالي نرجع بيتنا ونفتح صفحة جديدة، والله لأكون لك خادمة تحت رجليكي طول العمر!”
مرات ابني بصت للكل.. بصت لابني المريض الراقد على السرير، وبصت لي أنا وأنا جاعية تحت رجليها، وبصت للورق الرسمي اللي في إيد المحامي.
ما طارتش من الفرحة، ولا صرخت، ولا أترمت في حضن جوزها.. وقفت بثبات وهدوء، وأخدت نفس طويل المدى، مسحت دمعة واحدة نزلت من عينها على خدها، وقالت بصوت هادي كأنه صادر من قاع البئر:
— “العمارة ترجع لأصحابها ولولادي بقوة القانون.. أما أنا، فالقرار الأخير والنهائي اللي هاخده النهار ده مش هيبقى عن البيت ولا عن الفلوس.. القرار ده هيكون عن حياتي أنا وعيالي اللي جاية، وهو القرار اللي محدش فيكم هيقدر يغيره أو يراجعني فيه!”
ساد السكوت الأوضة، النفس انقطع والعيون كلها اتعلقت بشفايفها. ابني على السرير واقف قلبه من الخوف، عيون مليانة ترجي وانكسار، وأنا تحت رجليها مستنية الكلمة اللي هتحسم مصيرنا وتحدد يعيش كيف اللي باقي من عمرنا.
بصت مرات ابني لابني الراقد مكسور الجناح، وبصت لي وأنا جاعية في التراب، وبعدين التفتت لعيالها الاثنين اللي كانوا واقفين جنب الباب باصين لأمهم بفخر واعتزاز. بلعت ريقها وقالت بصوت هادي، حاسم، طالع من قلب اتعجن بالوجع واستوى على نار الصبر:
— “العمارة والبيت هيرجعوا باسم العيال، وده حقهم اللي ربنا رده ليهم وما حدش يقدر ياخده منهم. لكن بالنسبة لي أنا يا ابن حماتي… أنا بطلب الطلاق الرمسي والنهائي النهار ده وقبل ما نخرج من الأوضة دي.”
ابني صرخ من على السرير كأن رصاصة دخلت صدره:
— “لا يا أم فلان! طلاق إيه؟ أنا اتعلمت الدرس، أنا أتعجنت واتفركت في السجن والمرض، والباطل اتكشف! والله لأعيش خدام تحت رجليكي أنتِ وأمي، والله ما هبص لبره تاني ولا أزعل لك طرف!”
ردت عليه بنبرة ما فيهاش نقطة غضب ولا غل، نبرة ست شافت الموت بفي عينها وتجاوزته بكرامتها:
— “الدرس أنت اتعلمته متأخر قوي يا فلان.. اتعلمته لما المرض هدك، ولما المحاكم طوقتك، ولما اللي جريت وراها سرقتك ورمتك في التخشيبة. أنت ما افتكرتنيش غير لما الأبواب كلها اتقفلت في وشك. أنا صنتك في غيابك خمس سنين، أكلت اللقمة بدموعي، واشتغلت داده وتفريز وحافية الأقدام عشان أرفع رأس عيالك وما أمدش إيدي لحد.. وأنت في ده كله كنت بتهرب وتزور وتتجوز عليا وبترميني للشارع.”
التفتت لي أنا، وبصت في عينيا بكسرة حزن شفافة وقالت:
— “وأنتِ يا حماتي… أنا مسامحاكي لوجه الله تعالى عن كل لقمة استكثرتيها على عيالي، وعن كل صينية أكل أخدتيها بقسوة وأنتِ بتقولي لي ‘الشارع يسعكم’.. مسامحاكي عشان أنتِ ست كبيرة، وعشان خاطر ربنا اللي أطعمني وسقاني وسندني لما الكل اتخلى عني. لكن القلوب لما تتكسر وتتداس بالإيدين، ما بترجعش تاني زي الأول.. بيتكم هيرجع لكم، وأنا عيالي هيفضلوا في حضني، هربيهم من عرق جبيني ومن المطبخ اللي ربنا فتحه لي من وسع.”
المحامي والمديرة بصوا لها باحترام وتقدير هز الكيان، المحامي هز رأسه وقال لابني:
— “الزوجة ليها كامل الحق يا فندم، وبناءً على طلبها والتمكين الرسمي، إحنا هنبادر بإجراءات الطلاق للضرر مع حفظ كافة حقوقها الشرعية ونفقة الأولاد اللي هتتدفع من إيراد العمارة.”
ابني غطى وشه بكتفيه وبدأ يبكي بكاء مر وفي هيستيريا، بكاء الندم على الجوهرة اللي كانت في إيده وفرط فيها بجهله وقسوته.. وأنا قعدت في الأرض أضرب كف بكف، وعرفت إن أكبر عقاب ربنا بيبعته للظالم، مش إنه يحرمه من نعمه، لكن إنه يخليه يشوف النعمة وهي بتضيع من إيده بعد ما يعرف قيمتها وما يقدرش يلمسها تاني.
مرت الأيام والشهور…
العمارة رجعت رسمياً، وابني خف من مرضه بس خرج من التجربة دي راجل تاني خالص؛ مكسور النفس، ضهره انحنى، عايش في شقته القديمة فوق لوحده، بيطلع معاشه المصروف بالعافية لنفقة ولاده، وبيشوف عياله من أسبوع لأسبوع بالحديث والأدب.
أنا رجعت قعدت معاه في الشقة الفاضية، الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مالية الدنيا بصوتي وقسوتي. بقيت كل يوم الصبح، أقف في البلكونة بصة على الحديقة الأرضية تحت…
أشوف مرات ابني — أو “الست أم فلان” زي ما الحي كله بقى يسميها بتبجيل — واقفة في وسط مطبخها الكبير، الضحكة على وشها، العربيات رايحة جاية تحمل أوردرات المحشي والتفريزات للمدارس والفنادق، وعيالها طالعين نازلين حواليها لابسين أنضف لبس وداخلين أحسن مدارس، ورأسهم مرفوعة بين الناس.
ساعات كنت أنزل السلم ببطء، أقف على باب المطبخ من بره، بكسرة خفيفة وأدب ما كانش فيا زمان، أقولها بصوت واطي:
— “صباح الخير يا أم فلان… محتاجة مساعدة في تقشير بصل ولا تلفي معايا صينية؟”
تبتسم لي بوقار، وتقعدني على كرسي دافي، وتحط قدامي الفواكه والأكل الدافي وتغديني بأحسن أكل، وتقول لي بالراحة:
— “ارتاحي يا حماتي.. الخير كتير والحمد لله، وأنتِ مقامك على رأسنا من فوق.”
أقعد آكل اللقمة، والدمعة تنزل من عيني بس المرة دي دمعة رضا وندم متأخر.. اتعلمت إن القوة مش في قساوة اللسان ولا في أكل شقا الضعيف، القوة الحقيقية في الصبر والكرامة واللقمة الحلال اللي بتتبنى بالعرَق والدعاء.. وإن اللي يستقوي على يتيم أو ست غلبانة، الأيام ببتدور وبترد له الصاع صاعين، والظالم مهما استعلى، مرده يركع تحت رجلين اللي ظلمهم وهو بيطلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *