اعتنيت بأطفال اختى حكايات انجي الخطيب

خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟
ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدري. وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع.
بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا بنظرة واحدة غريبة.. نظرة خالية من أي براءة.
ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح.
جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة.. مكنتش هدى. الملامح اللي في المراية كانت ملامح أختي زينب بالظبط، حتى الحسنة اللي كانت جنب عينها، حتى النبرة اللي طلعت من حنجرتي لما حاولت أصرخ أنا فين؟.
محمود طلع من أوضته، كان لابس بدلة شيك وكأنه رايح مشوار مهم، قرب من المراية وعدّل الكرافتة بتاعته وبص لانعكاسي بابتسامة نصر هدى
راحت يا
زينب.. الروح الطيبة اللي في هدى هي اللي غدّت جسمك ورجعتلك شبابك. هي دلوقتي اللي نايمة تحت في السرداب، في قالب الشمع اللي كان المفروض يكون ليكي.
فتحت باب الشقة پجنون وعايزة أهرب، عايزة أصوت وألم الناس، بس أول ما خرجت للشارع، وقفت مكاني من الړعب. الشارع كله كان فاضي، والبيوت اللي حوالينا كانت عبارة عن تماثيل ضخمة من الشمع بتسيح تحت المطر. مكنش فيه عالم برا، كان فيه مجرد فراغ وتماثيل تانية كتير بتتحرك ببطء وتقرب من بيتنا.
ياسين وقف جنبي على الباب، حط إيده في إيدي وقال ببرود مرعب متحاوليش يا ماما.. مفيش حد برا بيسمع. إحنا العيلة الوحيدة اللي فاضلة في المكان ده، والنهاردة بالليل، هنبدأ نجمع خالات جداد لباقي الأخوات.
دخلت البيت وأنا بنهار، وقفلت الباب ورايا. بصيت لولادي التسعة اللي ربيتهم بدم قلبي، لقيتهم بيبتسموا ليا نفس الابتسامة اللي كان محمود بيبتسمها. قعدت على الكرسي وأنا حاسة ببرودة بتبدأ تسري في أطرافي، برودة الشمع اللي بيعلن سيطرته على آخر حتة في روحي.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.. خبطات هادية ومؤدبة. ياسين راح يفتح، وبصيت من بعيد، شفت ست واقفة برا، شايلة شنطة هدومها وپتبكي، وقالت بلوعة أنا هدى.. أخت زينب.. محمود كلمني وقالي إنكم محتاجين حد يراعيكم بعد الحاډثة.
بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى اللي برا، هي الضحېة اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.
تسمرت في مكاني، والصوت المكتوم اللي طالع من تحت الأرض كان بيزيد حدة، خبطات رتيبة ومنتظمة كأنها نبض قلب مجهد بيحاول يعافر عشان يطلع للنور. ياسين سحب إيدي وجرني وراه ناحية أوضته، كان بيتحرك زي الآلة، وشه خالي من أي تعبير غير الړعب الصافي. أول ما فتح الباب، ريحة غريبة ضړبت في مناخيري، ريحة تراب قديم مخلوط بحاجة زي البخور بس تقيلة وتكتم النفس.
ياسين زق السرير بعزم ما فيه، وظهر تحتيه باركيه خشب مخلوع ومحطوط مكانه سجادة صلاة ة قديمة ومهلهلة. ياسين.. إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟ صړخت فيه وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لكنه مردش، وطى على الأرض وشال السجادة، وظهر تحتها باب خشب صغير سحارة مدهون بنفس لون الأرضية عشان ميتحسش بيه.
بقالها شهر بتنادي عليا يا خالتو.. كل ليلة، من بعد ما كملت ال 16، والصوت مبيسكتش قالها وهو بيشد الحلقة الحديد اللي في الباب. الخشب طلع صوت تزييق يقطع القلب، وفجأة ظهر قدامنا سلم ضيق ونازل لتحت في ضلمة كحل. الخبط وقف فجأة،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *