بنت أخي كانت تستيقظ

كما أن أخوك ترك مبلغاً شهرياً مخصصاً لمصاريف سلمى، دراستها، وعلاجها، وكل ما تحتاجه، ووضعه في حساب خاص، واشترط أن لا يصل إليه أحد غيرها، أو من يوصي به، ولهذا كانت زوجتك تضطر لتحريف توقيعك كل شهر، لتتمكن من الحصول على جزء صغير من المبلغ، لأنها لم تكن تقدر على سحب المبلغ كله، وكانت تخشى أن تكتشفوا أمرها.
كما عرفتُ منها أنها كانت تمنع سلمى من التكلم معك، وتخوفها منك، وتقول لها إنك أنت اللي أمرتها أن تعمل كل هذه الأعمال، وأنك أنت اللي قلت لها إن الأكل والسكن مش ببلاش، وإنها لازم تدفع ثمنه بعرق جبينها، ولهذا كانت البنت خائفة منك، ومش عارفة تفرق بين الحقيقة والكذب، وكانت تظن أنك موافق على كل ما يحدث، ولهذا لم تتكلم طوال السنتين.
شعرت وكأن صخرة سقطت على رأسي، فكل هذا الوقت كانت سلمى تظن أنني أنا السبب في معاناتها، وأنني أنا اللي أمرت بكل هذا، وكانت تتحمل الألم والظلم وهي صامتة، خائفة مني، خائفة أن أطردها من البيت، خائفة أن تفقد آخر شخص تربطها به صلة دم.
عدت بالذاكرة إلى كل المواقف التي مررت بها معها، كنت أراها خجولة جداً، قليلة الكلام، لا تطلب شيئاً، وتتجنب النظر في عينيّ، وكنت أظن أن هذه طبيعتها، وأنها خجولة لأنها يتيمة، لكن الحقيقة كانت أنها كانت خائفة، كانت تعيش في خوف دائم، تخشى أن تغضب مني فأعاقبها، أو أن أجد خطأ منها فأخرجها من البيت.
مرت بذهني صور كثيرة كنت أجدها تأكل بسرعة ثم تذهب بسرعة، وكنت أضحك وأقول إنها مشغولة، وطلعت كانت تأكل خوفاً أن تمنعها من الأكل، كما كانت تمنعها من الراحة، وكنت أراها دائماً ترتدي ملابس قديمة، وكنت أقول إنها مش عايزة تكلفنا، وطلعت كانت ممنوعة من طلب أي ملابس جديدة، أو أي حاجة تريدها، وكنت أجدها دائماً تجلس في الزاوية، بعيدة عنا، وكنت أقول إنها تحب الهدوء، وطلعت كانت تشعر أنها غريبة في البيت، وأنها مجرد خادمة، لا ابنة ولا قريبة.
بكيت بصمت، ولم أستطع أن أمنع دموعي، فأنا كنت الأب الذي لم يحمِ ابنتة، والعم الذي لم يصدق ابنة أخيه، والزوج الذي أعمته الثقة العمياء حتى خسر كل شيء.
بعد أن انتهى المحامي من الكلام، قال لي الآن، ما هي الخطوات التي تريد أن نتخذها؟ نحن نملك كل الأدلة، التسجيل، الشهادات، تقارير الخبراء، ويمكننا رفع قضية تحريف، وأخذ أموال، واعتداء على حقوق اليتيم، والعقاب في هذه الحالات يكون صارماً جداً، خاصة في قانون بلدنا، الذي يحمي حقوق الأيتام بكل قوة.

