اتوبيس المدرسه

طوال الطريق، كانت بتراجع في دماغها كل الاحتمالات.
هل الراجل ده واحد من الأطفال فعلًا؟
هل عاش كل السنين دي باسم مختلف؟
ولو كان هو واحد منهم، ليه ظهر دلوقتي بالذات، بعد اكتشاف الأتوبيس؟
لما وصلت، دخلت غرفة التحقيق، ولقت رجلًا عجوزًا قاعد قدام مكتب خشبي، لابس جاكيت بني قديم، وإيده بتترعش وهو ماسك كوب مياه.
كان شعره أبيض بالكامل، ووشه مليان تجاعيد، لكن عينيه كان فيهم شيء غريب.
خوف قديم.
خوف شخص قضى عمره كله بيهرب من ذكرى واحدة.
لانا قعدت قدامه وقالت بهدوء
أنا المحققة لانا. قالولي إنك تعرف الأتوبيس اللي لقيناه في الغابة.
الراجل رفع عينيه ببطء.
أنا مش بس أعرفه يا بنتي أنا كنت راكب فيه.
لانا ما استعجلتش في الرد.
فتحت ملف القضية وحطته قدامه.
اسمك إيه؟
توماس ميلر.
وعندك كام سنة؟
أربعة وستين.
لانا حسبتها بسرعة.
لو كان عنده وقت الاختفاء بين تسع وحداشر سنة، يبقى عمره دلوقتي المفروض يتراوح بين 48 و سنة تقريبًا، مش 64.
رفعت عينيها من الملف وقالت
إنت متأكد من كلامك؟ الأطفال اللي اختفوا كانوا كلهم في المرحلة الابتدائية. لو كنت واحد منهم، المفروض عمرك يكون حوالي خمسين سنة دلوقتي.
توماس اتوتر، وبصّ ناحية الباب.
وبعدين قال
أنا مش واحد من الأطفال اللي في القائمة.
لانا حست إن الموضوع بدأ ياخد منحنى مختلفًا.
أمال إنت مين؟
سكت شوية، وبعدها رد
أنا ابن السواق.
لانا فتحت صفحة جديدة في الملف.
اسم السواق كان آرثر ميلر.
لكن في السجلات القديمة، ما كانش فيه أي ذكر لابن اسمه توماس.
سألته
أبوك كان اسمه آرثر ميلر؟
أيوه.
وكان عنده ابن سنة 1986؟
توماس نزل عينيه للأرض.
كان عنده ولد بس محدش كان يعرف عنه حاجة.
لانا قربت الكرسي من المكتب.
عايزاك تحكيلي كل حاجة من البداية. من غير ما تخبي أي تفصيلة.
توماس أخد نفسًا طويلًا، وكأنه بيحاول يفتح بابًا مقفولًا من سنين.
وبدأ يتكلم.
أبويا كان سواق أتوبيس المدرسة من أكتر
من عشر سنين. كان راجل هادي، عمره ما اټخانق مع حد، وكل الأطفال كانوا بيحبوه. لكن قبل الرحلة بأيام،
حصلت مشكلة كبيرة بينه وبين مدير المدرسة.
إيه المشكلة؟
مش عارف كل التفاصيل. كنت صغير وقتها، وأبويا ما كانش بيحكيلي عن شغله. بس فاكر إنه رجع البيت ليلة قبل الرحلة، وكان متعصب جدًا. سمعته بيتكلم في التليفون مع حد، وبيقول أنا مش هعمل كده في أطفال.
لانا كتبت الجملة في دفترها.
قال كده لمين؟
ما عرفتش. لكنه قفل التليفون لما دخلت عليه.
وبعدها؟
توماس بصّ لها، وعينيه بدأت تلمع.
بعدها بيومين، الأتوبيس اختفى.
وإنت كنت فين؟
في البيت.
وأبوك؟
ما رجعش.
لانا فضلت ساكتة ثواني.
يعني إنت ما كنتش راكب الأتوبيس؟
توماس هزّ راسه.
لأ. أنا كنت عايز أروح الرحلة، لكن أبويا رفض. قال لي إنه مش هيقدر ياخدني المرة دي.
طب إنت قلت من شوية إنك كنت راكب فيه.
توماس غمّض عينيه، وفضل ساكت.
وبعد لحظات، قال بصوت واطي
أنا كذبت عليكي.
لانا ما اتحركتش.
ليه؟
فتح عينيه، وبصّ لها مباشرة.
لأن فيه حد كان لازم يسمعني قبل ما ېموت.
مين؟
المدرّس اللي كان في الرحلة.
لانا حسّت ببرودة تسري في جسمها.
إنت بتقول إيه؟ المدرّس اختفى من سنة 1986!
توماس هزّ راسه ببطء.
أنا عارف. بس من تلات أيام، حد بعتلي جواب على البيت. مفيهوش اسم المرسل، ومكتوب فيه جملة واحدة.
مد إيده داخل الجاكيت، وطلع ظرفًا أبيض قديمًا.
حطه قدام لانا.
فتحت الظرف وطلعت الورقة.
كان مكتوب عليها
الأتوبيس اتلاقى. المرة دي، ما تخليش لانا تفتح الباب التاني.
لانا رفعت عينيها فجأة.
مين لانا؟!
توماس بصّ لها بړعب.
أنا ما كنتش أعرف إن اسمك لانا غير لما شوفتك في الأخبار من شوية.
الغرفة ساد فيها صمت تقيل.
لأن الجواب كان واضحًا.
اللي بعت الرسالة كان عارف إنها هتكون المحققة المسؤولة عن القضية.
وكان عارف إنها هتكتشف الأتوبيس.
وكان بيحذر توماس منها أو بيحذرها هي من حاجة موجودة جوه الأتوبيس.
لكن أغرب جزء في الرسالة كان كلمتين بس
الباب التاني.
أي باب تاني؟
وليه محدش ذكر قبل كده إن الأتوبيس فيه غير باب الطوارئ والباب الأمامي؟
لانا قفلت الملف،
ووقفت بسرعة.
لازم نرجع الغابة.
توماس مسك إيدها قبل ما تتحرك.
استني! فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي.
بصّت له.
قال بصوت مرتعش
أبويا ما كانش لوحده في الأتوبيس لما اختفى.
كان معاه مين؟
توماس ابتلع ريقه.
قبل الرحلة بيوم، شفت راجل غريب داخل بيتنا. كان لابس بدلة سودا، ومعاه شنطة معدنية صغيرة. أبويا دخّله الأوضة، وقفل الباب عليهم. وبعد حوالي نص ساعة، الراجل خرج، وأبويا كان وشه أصفر من الخۏف.
عرفت اسمه؟
لأ. لكن قبل ما يمشي، سمعته بيقول لأبويا لو الأطفال وصلوا للمكان، محدش فيهم هيخرج تاني.
لانا حست إن كل حاجة في القضية بتتشابك قدامها.
المدرّس.
السواق.
الرجل الغريب.
والرسالة الحمراء.
كلهم كانوا بيشاوروا ناحية سر واحد.
سر كان مدفون تحت الأرض من 39 سنة.
لكنها ما كانتش تعرف إن أخطر مفاجأة لسه مستنياها.
لأن في اللحظة اللي خرجت فيها من القسم، كان فيه اتصال جديد وصل للشرطة من الغابة.
أحد أفراد فريق المسح اكتشف فتحة غريبة تحت الجزء الخلفي من الأتوبيس.
فتحة ما كانتش موجودة في أي رسم هندسي للمركبة.
والأغرب؟
إن الهواء اللي كان بيخرج منها كان دافئًا.
رغم إن الأتوبيس مدفون في أرض باردة من عشرات السنين.
الفصل الثالث الباب اللي ما كانش موجود في الرسومات
لما لانا وصلت الغابة، لقت المكان اتحوّل لخلية نحل.
عربيات الشرطة كانت في كل حتة، وشريط أصفر محاوط الأتوبيس، وفريق من الخبراء واقف حوالين الفتحة اللي اكتشفوها تحت الجزء الخلفي من المركبة.
دانيال كان مستنيها، وأول ما شافها قال
كويس إنك جيتي. لازم تشوفي ده بنفسك.
قادها ناحية الأتوبيس، وبعدها أشار لفتحة مستطيلة صغيرة كانت مستخبية تحت طبقة سميكة من الطين والصدأ.
لانا ركعت على الأرض، وقرّبت الكشاف من الفتحة.
كان واضح إنها مش جزء أصلي من الأتوبيس.
حد قصّ المعدن من تحت، وركّب مكانه غطاء محكم، وبعدها حاول يخفيه بطبقات من الصدأ والطين.
قالت لانا
مين فتحها؟
ردّ دانيال
لسه محدش. أول ما العمال اكتشفوها، بلغونا.
لكن فيه حاجة تانية.
إيه؟
دانيال أشار لجهاز صغير كان أحد الخبراء ماسكه.
فيه تيار هوا طالع من الفتحة. ضعيف، لكنه موجود.
لانا بصّت له باستغراب.
إزاي؟ الأتوبيس مدفون هنا من 39 سنة!
ده اللي إحنا عايزين نفهمه.
أحد الخبراء قرب منهم وقال
ممكن يكون فيه فراغ تحت الأتوبيس، أو نفق قديم بيمر من المنطقة. لازم نفتح الغطاء ونشوف.
دانيال وافق، لكن لانا رفعت إيدها.
استنوا. قبل ما نفتحه، عايزة صور كاملة للغطاء، وعايزة نفحص إذا كان فيه أي آثار أدوات أو بصمات.
استغرق الفحص وقتًا، وبعدها بدأوا يفكوا المسامير القديمة.
واحد ورا التاني.
لحد ما الغطاء اتحرر.
ولما اتشال، ظهر تحته سلم معدني ضيق نازل لأسفل.
الظلام كان كثيفًا لدرجة إن الكشافات ما قدرتش توضح نهاية السلم.
لانا بصّت لدانيال.
ده مش أتوبيس مدفون وخلاص. فيه حاجة تحتنا.
دانيال طلب من الفريق تجهيز معدات السلامة، وبعدها نزل أول خبير، وتبعه دانيال ولانا.
كل ما كانوا بينزلوا، كانت درجة الحرارة بتتغير.
الهوا بقى أبرد، ورائحة التراب الرطب اختلطت برائحة معدنية غريبة.
بعد حوالي ستة أمتار، وصلوا لنفق ضيق، جدرانه مغطاة بألواح خرسانية قديمة.
لانا وجهت الكشاف ناحية الحائط.
كان فيه أرقام مكتوبة باللون الأسود.
1986.
وتحتها سهم بيشاور ناحية ممر جانبي.
دانيال قال
واضح إن المكان ده متبني من زمان.
لانا لمست الحائط بحذر.
والأوضح إن اللي بنى المكان ده كان عايز حد يوصل له.
مشوا في الممر بحذر، لحد ما وصلوا لباب حديدي ضخم.
كان الباب مقفولًا من الخارج بسلسلة صدئة.
وعلى الباب، كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها
مركز الأبحاث رقم 7 الدخول بتصريح رسمي فقط.
دانيال بصّ للانا.
مركز أبحاث؟ في قلب الغابة؟
لانا ما ردتش.
كانت بتفكر في كلام توماس عن الراجل اللي زار أبوه، والشنطة المعدنية، والجملة اللي سمعها
لو الأطفال وصلوا للمكان، محدش فيهم هيخرج تاني.
كل حاجة كانت بتقول إن الرحلة ما كانتش رحلة مدرسية عادية.
وإن اختفاء الأطفال ما كانش
حاډثة عشوائية.
لكن قبل ما يقدروا يفتحوا الباب، سمعوا صوتًا جاي من الناحية التانية.
صوت خبطات خفيفة.
ثلاث خبطات.
وبعدها صمت.
لانا رفعت
إيدها، وطلبت من الكل يسكت.
بعد ثوانٍ، الخبط اتكرر.
ثلاث خبطات تانية.
دانيال همس
فيه حد جوه؟
لانا قرّبت من الباب وقالت بصوت واضح
شرطة! لو فيه أي حد هنا، عايزين نساعدك.
مفيش رد.
وبعدين، فجأة، سمعوا صوت طفل.
صوت ضعيف جدًا، كأنه جاي من آخر الدنيا.
ما تفتحوش الباب
لانا اتجمدت مكانها.
الخبير اللي واقف وراها رجع خطوة لورا.
ودانيال همس
إنتِ سمعتي اللي أنا سمعته؟
لانا هزّت راسها ببطء.
أيوه.
كلهم سمعوا الصوت.
صوت طفل بيحذرهم من فتح الباب.
لكن السؤال اللي ما حدش قدر يجاوب عليه كان
مين الطفل اللي عايش تحت الغابة، بعد كل السنين دي؟
الفصل الرابع الغرفة اللي وقفت فيها الساعة
بعد استدعاء فريق متخصص، قدروا يقطعوا السلسلة ويفتحوا الباب الحديدي.
أول حاجة ظهرت قدامهم كانت ممر طويل، على جانبيه أبواب صغيرة.
بعض الأبواب كانت مکسورة، وبعضها كان مفتوحًا، لكن المكان كله كان خاليًا بشكل مخيف.
مفيش أصوات.
مفيش حركة.
بس صفير خاڤت كان بيصدر من أجهزة قديمة في آخر الممر.
لانا دخلت أول غرفة على اليمين.
كانت غرفة مليانة مكاتب، وأوراق متبعترة، وخزائن حديدية.
على الحائط، كانت فيه ساعة متوقفة عند الساعة 417.
وبجوارها تقويم قديم، آخر صفحة فيه كانت من شهر مايو سنة 1986.
دانيال رفع ملفًا من فوق أحد المكاتب، ونفض عنه التراب.
تعالي شوفي ده.
لانا أخدت الملف.
كان مكتوب على غلافه
مشروع الصدى المرحلة الأولى.
فتحت الملف، وبدأت تقرأ.
في الصفحات الأولى، كانت فيه ملاحظات علمية عن الأصوات والاهتزازات والتأثير النفسي للعزلة على الأطفال.
لكن بعد كده، بدأت الكلمات تتغير.
ظهر اسم المدرسة.
وبعده أسماء الأطفال الخمستاشر.
نفس الأسماء الموجودة في القائمة اللي لقوها جوه الأتوبيس.
لانا قلبت الصفحات بسرعة.
كان فيه تقارير عن مواعيد محددة، واختبارات، وأرقام غير مفهومة، وملاحظات مكتوبة بخط اليد.
وفي آخر الملف، لقت جملة متسطرة أكتر من مرة
المجموعة لا يجب أن تتجاوز ستة عشر فردًا.
دانيال قرأ الجملة فوق كتفها.
ستاشر؟ الأطفال الخمستاشر
والمدرّس؟
لانا هزّت راسها.
أو الأطفال الخمستاشر والسواق. لسه ما نعرفش.
لكنهم لقوا حاجة أهم في الملف اللي بعده.
كان تقريرًا مؤرخًا بيوم اختفاء الأتوبيس.
ومكتوب فيه
وصلت المجموعة إلى نقطة النقل في الساعة 352 مساءً. تم تسجيل جميع الأفراد. لم يتم الإبلاغ عن أي حالات فقدان قبل بدء الإجراء.
لانا وقفت عند الجملة الأخيرة.
نقطة النقل؟ يعني الأتوبيس وصل لمكان تاني قبل ما يختفي.
دانيال رد
وده معناه إن اللي حصل ما بدأش بالضرورة في الغابة.
فجأة، سمعوا صوت جهاز لاسلكي جاي من آخر الممر.
أحد أفراد الفريق كان بيناديهم.
يا جماعة، لازم تيجوا هنا فورًا!
جروا ناحية الصوت.
كانت فيه غرفة كبيرة، وفي وسطها جهاز معدني ضخم متصل بكابلات ممتدة في الحوائط.
على أحد الجوانب، كان فيه زجاج سميك يفصل الغرفة عن مساحة تانية.
ولما لانا قربت من الزجاج، شافت صفوفًا من الكراسي الصغيرة.
خمستاشر كرسي.
قدام كل كرسي، طاولة عليها رقم.
ومن خلف الزجاج، كان فيه باب تاني، أصغر من الأول، وعليه نفس العلامة الموجودة في الرسالة
رقم 7.
لكن اللي خلّى لانا تحس إن الأرض بتتهز تحت رجليها، ما كانش الكراسي.
كان فيه دفتر مفتوح على المكتب القريب من الزجاج.
على الصفحة الأولى، مكتوب
اليوم الأول المجموعة كاملة.
وعلى الصفحة الأخيرة، مكتوب
اليوم الأخير المجموعة لم تعد موجودة.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع.
توقيع المدرّس المختفي.
الأستاذ جوناثان ريد.
لانا قفلت الدفتر ببطء.
لازم نعرف كل حاجة عن المكان ده.
لكن قبل ما تقدر تطلب من الفريق نقل الأوراق، انطفأت الأنوار.
مرة واحدة.
كل الغرف ڠرقت في الظلام.
وبعد ثانيتين، اشتغل جهاز قديم في منتصف الغرفة.
صدر منه صوت تشويش، وبعده صوت رجل بيتكلم بنبرة هادئة
لو أنتم بتسمعوا التسجيل ده، يبقى الأتوبيس اتكشف أخيرًا.
لانا رفعت الكشاف ناحية الجهاز.
الصوت كمل
أنا الدكتور هنري كول. كنت مسؤولًا عن مشروع الصدى. ولو وصلتوا للمرحلة دي، فده معناه إن التجربة فشلت أو إن حد قرر يكشف الحقيقة.
وبعدين سكت الرجل لحظة،
قبل ما يقول جملة خلت دانيال يبص للانا پصدمة
الأطفال ما ماتوش في الحاډثة. إحنا ما فقدناهمش. إحنا اللي نقلناهم.
الفصل الخامس الحقيقة اللي أخفوها عن العالم
لانا قربت من الجهاز، وبدأت تسجل كل كلمة.
صوت الدكتور هنري كان واضحًا، رغم التشويش.
في سنة 1986، بدأنا تجربة سرية لدراسة تأثير موجات صوتية معينة على إدراك الإنسان للوقت والمكان. كنا فاكرين إننا نقدر نخلق حالة من الانفصال عن الواقع، بحيث الشخص ما يقدرش يميّز بين الوقت الحقيقي والوقت اللي بيحس إنه عاشه.
التسجيل وقف ثواني، وبعدها رجع يشتغل.
التجربة كانت المفروض تتم على متطوعين بالغين. لكن التمويل اتوقف، والمشروع كان مهدد بالإغلاق. بعض المسؤولين قرروا إنهم يستخدموا مجموعة من الأطفال في اختبار غير مصرح به.
لانا حست بالڠضب بيتصاعد جواها.
خمستاشر طفل.
أطفال رايحين رحلة مدرسية، مش عارفين إن فيه ناس قررت تحوّلهم لمجرد أرقام في تجربة.
التسجيل كمل
تم الاتفاق مع إدارة المدرسة على تغيير مسار الرحلة. المدرّس جوناثان ريد اعترض في البداية، لكنه اتعرض للټهديد، وتم إبلاغه إن الرحلة هتكون قصيرة، وإن الأطفال مش هيحصل لهم أي أذى.
دانيال ضړب المكتب بإيده.
يا ولاد الكلب!
لكن لانا أشارت له يسكت.
كانت عايزة تسمع كل كلمة.
في الساعة 417 مساءً، بدأت التجربة. تم تشغيل الجهاز الرئيسي، ودخلت المجموعة الغرفة المخصصة. في البداية، كل شيء سار وفق الخطة. لكن بعد دقائق، ظهرت قراءات غير متوقعة.
صوت الدكتور هنري بدأ يرتعش.
الساعة توقفت. أجهزة التسجيل تعطلت. الأشخاص الموجودون داخل الغرفة اختفوا من أمام الكاميرات، رغم إن الأبواب ظلت مغلقة.
لانا بصّت للساعة المتوقفة على الحائط.
417.
نفس الوقت.
حاولنا فتح الغرفة، لكننا لم نجد أحدًا. لم يكن هناك أي أثر للأطفال أو المدرّس. وبعد ساعات من البحث، اكتشفنا إن الأتوبيس نفسه اختفى من المكان المخصص لانتظار المركبات.
التسجيل سكت للحظة طويلة.
وبعدين رجع الصوت، أضعف من الأول.
لم نكن نعرف إن الأطفال انتقلوا إلى مكان آخر.
لم نكن نعرف حتى إن التجربة نجحت بطريقة مختلفة تمامًا عن اللي توقعناها.
لانا قربت من الجهاز.
مكان آخر؟ فين؟
كأن
الدكتور هنري سمع سؤالها، لأن التسجيل كمل
بعد ثلاثة أيام، وصلتنا إشارة من جهاز المراقبة. كانت هناك أصوات أطفال تصدر من داخل النفق الشرقي، رغم إن النفق كان خاليًا تمامًا.
دانيال همس
النفق الشرقي
لانا افتكرت الممر اللي شافوه من شوية.
لكن التسجيل كان لسه فيه أخطر جزء.
دخلنا النفق، وسمعنا الأطفال بيتكلموا. كانوا بيسألوا عن أهاليهم، وبيطلبوا إننا نفتح الباب. لكن لما حاولنا نوصل لهم، اكتشفنا إن الأصوات كانت بتتكرر بنفس الترتيب، بنفس الكلمات، وبنفس الفواصل الزمنية.
كأنها تسجيلات؟ سأل أحد الخبراء.
لانا ما ردتش.
لأن التسجيل نفسه جاوب.
ما كانتش تسجيلات عادية. كانت الأصوات بتتفاعل مع وجودنا. لو نادينا اسم طفل، كان صوته بيرد علينا. ولو سألناه سؤالًا جديدًا، كان يرد أحيانًا بإجابة ما سبقش إنه قالها.
صوت الدكتور هنري بقى أكثر خوفًا.
في اليوم السابع، دخل الأستاذ جوناثان ريد النفق وحده. وبعد عشر دقائق، خرج وهو بيقول إنه شاف الأطفال.
لانا قربت من الجهاز لدرجة إنها بقت على بُعد سنتيمترات منه.
كانوا فين؟
التسجيل كمل
قال إن الأطفال كانوا موجودين في فصل دراسي. قاعدين على كراسيهم، وبيضحكوا، وبيتكلموا، وكأن الرحلة لسه ما بدأتش. لكنه قال إن فيه حاجة غلط.
وبعدها سمعوا صوت ورقة بتتقلب.
الأطفال كانوا فاكرين إنهم خرجوا من المدرسة من دقائق قليلة، وإنهم مستنيين الأتوبيس عشان يبدأوا الرحلة. لكنهم كانوا عارفين إننا واقفين بره الفصل.
دانيال بصّ للانا.
إزاي كانوا شايفينهم، وإحنا مش شايفينهم؟
التسجيل ما جاوبش.
بدلًا من كده، سمعوا صوت الدكتور هنري وهو بيقول
بعدها بيوم، دخلت الغرفة بنفسي. شفت الأطفال. كانوا كلهم موجودين. لكن ما كانش فيه باب أقدر أوصل منه ليهم.
ثم صدر صوت خبط قوي في التسجيل.
وصوت رجل آخر صړخ
اقفل الجهاز! اقفله حالًا!
وبعدها انقطع كل شيء.
لانا فضلت واقفة قدام الجهاز.
دلوقتي بقت عارفة إن الأطفال ما اختفوش بالطريقة اللي الشرطة تخيلتها.
لكنها ما كانتش عارفة إذا كانوا أحياء فعلًا، أو إن اللي بيسمعوه
مجرد أصوات محفوظة في المكان.
وفي اللحظة دي، جه صوت من خلف الزجاج.
صوت طفلة بتضحك.
ضحكة قصيرة وبريئة.
وبعدها صوت بنت صغيرة قالت
أستاذ جوناثان؟ إحنا هنرجع البيت إمتى؟
لانا استدارت ناحية الزجاج.
ومن خلاله، شافت ظل طفلة واقفة جنب أحد الكراسي.
كانت لابسة فستانًا أزرق قديمًا، وشعرها مربوط بشريط أبيض.
الطفلة رفعت رأسها ناحية لانا.
وبعدين ابتسمت.
إنتِ جاية تاخدينا؟
الفصل السادس البنت اللي ما كبرتش
لانا جريت ناحية الباب الحديدي الموجود خلف الزجاج، لكن دانيال وقف قدامها.
استني! إحنا ما نعرفش إيه اللي جوه.
ردّت بعصبية
فيه طفلة هناك! سمعتها وشوفتها!
وأنا سمعت الصوت، لكن ده مش معناه إننا نقدر ندخل من غير ما نفحص المكان.
الطفلة كانت لسه واقفة في نفس المكان.
بصّت لدانيال، وبعدها رجعت بصّت للانا.
هو إحنا عملنا حاجة غلط؟
السؤال كان بسيطًا.
لكن لانا حست إنه كسر حاجة جواها.
تخيلت أطفالًا قاعدين في فصل، مستنيين حد يقول لهم إن الرحلة خلصت، وإن أهلهم مستنيينهم بره.
أطفال ما يعرفوش إن 39 سنة عدّت.
وإن أمهاتهم وآباءهم كبروا، وإن بعضهم ماتوا وهم مستنيين يرجعوا.
لانا قربت من الزجاج وقالت
اسمك إيه يا حبيبتي؟
الطفلة ابتسمت.
إيميلي.
لانا فتحت ملف القضية على تليفونها، وبدأت تبحث في أسماء الأطفال.
كانت هناك فعلًا طفلة اسمها إيميلي كارتر، عمرها عشر سنين وقت الاختفاء.
الصورة القديمة في الملف كانت لطفلة بشعر بني وشريط أبيض.
نفس الطفلة اللي واقفة خلف الزجاج.
لانا رفعت عينيها.
إيميلي، إنتِ فاكرة حصل إيه في الرحلة؟
الطفلة فكرت شوية، وبعدها قالت
الأستاذ جوناثان قال لنا نستنى هنا. قال إن الأتوبيس اتأخر، وإننا هنرجع البيت بعد شوية.
وشفتِ حد غيره؟
إيميلي هزّت راسها.
كان فيه راجل لابس بالطو أبيض. قال لنا إننا هنلعب لعبة جديدة.
وبعدين؟
النور طفى.
الطفلة بصّت حواليها.
ولما النور رجع، ما لقيناش الأستاذ جوناثان.
لانا سألتها
إنتِ بقالك قد إيه هنا؟
إيميلي ضحكت باستغراب.
إحنا لسه واصلين من شوية!
دانيال بصّ للانا، ووشه بقى
شاحبًا.
لأن الإجابة دي كانت معناها إن الطفلة مش مدركة مرور الوقت.
لكن لانا ما اكتفتش بكده.
سألتها سؤالًا أخيرًا
إيميلي، إنتِ عارفة فين باقي أصحابك؟
الطفلة أشارت لوراها.
كلهم جوه الفصل.
والأستاذ جوناثان؟
ابتسامتها اختفت.
وبصوت واطي، قالت
الأستاذ قال لنا لو سمعنا صوت الراجل اللي بره، ما نردش عليه.
أنهي راجل؟
إيميلي رجعت خطوة لورا.
الراجل اللي بيقول إنه عايز يخرجنا.
هو مين؟
الطفلة رفعت إصبعها وأشارت ناحية آخر الممر.
هو هناك.
لانا استدارت بسرعة.
الممر كان فاضيًا.
لكن في آخره، كان فيه باب مفتوح ما كانش مفتوح من شوية.
ومن وراه، ظهر ضوء أصفر خاڤت.
دانيال طلب من الفريق يتراجع، لكن قبل ما حد يتحرك، سمعوا صوت خطوات جاية من ناحية الباب.
خطوات بطيئة.
منتظمة.
وبعدين ظهر رجل طويل، لابس بالطو أبيض قديم.
كان شعره أبيض، ووشه شاحب، وإيده ماسكة ملفًا أسود.
بصّ لانا مباشرة.
وبعدين قال
اتأخرتوا 39 سنة.
الفصل السابع الرجل اللي كان المفروض يكون مېت
دانيال رفع سلاحھ فورًا.
قف مكانك! إنت مين؟
الرجل ما رفعش إيده، وما حاولش يهرب.
فضل واقفًا في آخر الممر، كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
قال بهدوء
اسمي هنري كول.
لانا حست إن نفسها اتسحب منها.
الدكتور هنري كول.
الرجل اللي سمعوا صوته في التسجيل.
المسؤول عن مشروع الصدى.
والشخص اللي كان المفروض يكون عمره دلوقتي أكتر من تسعين سنة، لو كان لسه عايشًا.
لكن الرجل اللي قدامهم ما كانش باين عليه إنه أكبر من الستين.
لانا قالت
إنت اللي كنت مسؤول عن التجربة؟
هنري ابتسم ابتسامة باهتة.
كنت واحدًا من المسؤولين عنها.
إيه اللي حصل للأطفال؟
هنري بصّ ناحية الزجاج.
أنا ما أذيتهمش.
لانا ردت بعصبية
خمستاشر طفل اختفوا بسبب تجربة سرية، وأهاليهم عاشوا 39 سنة من غير ما يعرفوا مصيرهم! ماټ منهم ناس وهما مستنيين أولادهم يرجعوا! وعايزني أصدق إنك ما أذيتهمش؟
هنري نزل عينيه.
عارف إن مفيش كلام يبرر اللي حصل.
يبقى قول الحقيقة.
سكت طويلًا.
وبعدين قال
المشروع كان مبنيًا على فكرة إن الإنسان
ممكن يدخل حالة إدراك مختلفة تحت تأثير موجات صوتية محددة. لكننا ما كناش نعرف إن التأثير ممكن يتجاوز الشخص نفسه ويغيّر الطريقة اللي بيدرك بيها


