اتوبيس المدرسه

المكان والوقت.
لانا سألت
يعني الأطفال انتقلوا لمكان تاني؟
هنري هزّ راسه.
مش بالمعنى اللي إنتِ متخيلاه. أنا ما أقدرش أثبت إنهم انتقلوا لعالم تاني، ولا إنهم موجودون في بُعد مختلف. كل اللي نعرفه إن التجربة خلقت حالة ما قدرناش نفهمها.
طب إزاي بنتكلم معاهم؟
لأن الغرفة اللي ورا الزجاج بتحتفظ بنمط معين من الإشارات. ساعات بنسمع أصواتهم، وساعات بنشوفهم، لكننا ما قدرناش نثبت إذا كان اللي بنشوفه وجودًا حقيقيًا لهم، أو صورة مرتبطة بالتجربة.
لانا بصّت له پغضب.
يعني بعد 39 سنة، لسه ما تعرفش إذا كانوا أحياء ولا لأ؟
هنري رد بصوت منخفض
لا.
للحظة، ما حدش اتكلم.
وبعدين لانا سألته
إنت كنت فين كل السنين دي؟
هنري رفع عينيه.
هنا.
مستحيل.
أنا عارف إن الكلام صعب تصديقه. لكن بعد الحاډثة، المركز اتقفل رسميًا، وكل المسؤولين عنه اتقال إنهم ماتوا أو اختفوا. أنا فضلت هنا أحاول أفهم اللي حصل.
وإزاي كنت بتعيش؟
كان فيه مخزون طعام ومياه، ومولد كهرباء احتياطي. وبعد سنين، قدرت أوصل لخطوط إمداد قديمة.
دانيال سأله
وليه ما بلغتش الشرطة؟
هنري ما ردش فورًا.
وبعدين قال
لأنني كنت جبانًا.
كانت إجابته أبسط من أي عذر ممكن يقدمه.
كنت خاېف إن الحقيقة تطلع، وإن كل اللي عملناه ينكشف. وفي البداية، كنت مقتنعًا إننا هنقدر نرجّع الأطفال. كل يوم كنت بقول لنفسي إن بكرة هلاقي الحل. وبعدها بقت الشهور سنين، والسنين بقت عقودًا.
لانا سألته
والرسالة اللي لقيناها جوه الأتوبيس؟
هنري اتغيرت ملامحه.
إنتوا لقيتوا الرسالة؟
أيوه.
يبقى هو رجع.
مين؟
هنري بصّ ناحية السلم المؤدي للأتوبيس.
الولد اللي ما كانش المفروض يكون هنا.
لانا افتكرت توماس فورًا.
لكن قبل ما تسأله، هنري فتح الملف الأسود اللي كان ماسكه.
طلع منه صورة قديمة.
صورة لستة عشر شخصًا واقفين قدام الأتوبيس الأصفر.
الخمستاشر طفل.
الأستاذ جوناثان.
والسواق آرثر ميلر.
لكن على طرف الصورة، كان فيه شخص تاني.
ولد صغير واقف بعيد عن المجموعة، لابس جاكيت بني.
لانا بصّت للصورة، وبعدها
همست
توماس.
هنري هزّ راسه.
ابن السواق.
إنت قلت إن الأطفال كانوا خمستاشر، والمدرّس والسواق. توماس ما كانش راكب الأتوبيس.
صحيح.
أمال صورته هنا ليه؟
هنري قفل الملف.
لأن توماس كان موجودًا في المركز قبل الرحلة بيوم. أبوه جابه هنا من غير ما يقول لحد.
لانا حسّت إن فيه جزءًا كبيرًا من القصة لسه مخفيًا.
ليه؟
هنري رد
لأن توماس كان أول طفل ظهرت عليه أعراض غريبة بعد تعرضه للموجات التجريبية. أبوّه كان عارف إن المشروع خطړ، وحاول يمنعه من الاقتراب من المكان.
طب إزاي توماس خرج؟
هنري سكت.
وبعدين قال
دي الحكاية اللي لازم تسمعيها من آرثر نفسه.
لانا ردت
آرثر ماټ أو اختفى من 39 سنة.
هنري بصّ ناحية الباب الحديدي.
مش كل اللي اختفوا اختفوا بالطريقة اللي الناس فاكرينها.
الفصل الثامن دفتر السواق
رجعت لانا للأتوبيس مع فريق الأدلة الجنائية، وبدأت تفحص مقعد السواق من جديد.
كان فيه صندوق معدني صغير مثبت تحت لوحة القيادة.
الصندوق كان مخفيًا وراء قطعة من المعدن، ومحتاج أداة خاصة عشان يتفتح.
بعد حوالي عشرين دقيقة، قدروا يفتحوه.
جواه كان فيه دفتر أسود، ومفتاح نحاسي، وصورة لطفل صغير.
لانا فتحت الدفتر.
الصفحة الأولى كانت مؤرخة قبل الرحلة بثلاثة أيام.
مش عارف أعمل إيه. هنري بيقول إن المشروع تحت السيطرة، لكني شفت بعيني اللي حصل لتوماس. الولد اختفى قدامي لمدة سبع دقايق، ولما رجع، كان فاكر إنه قعد معايا يومين كاملين.
قلبت الصفحة.
حاولت أبلغ الإدارة، لكنهم هددوني بالفصل، وقالوا إن ابني هو اللي تسبب في المشكلة. لو حصل أي حاجة في الرحلة، لازم ألاقي طريقة أرجّع الأطفال لأهاليهم.
لانا فضلت تقرأ.
في الصفحة التالية، كان فيه رسم تقريبي لمسار الأتوبيس، وعلامة على مكان قريب من الغابة.
وبجوار العلامة، كتب آرثر
المدخل القديم. المفتاح النحاسي. لو وصلت للمكان ده، ما تدخلش لوحدك.
دانيال أخد المفتاح وبصّ له.
ده ممكن يكون مفتاح الباب اللي شفناه تحت الأتوبيس.
لكن لانا كانت بتقلب الصفحة الأخيرة.
كان فيها كلام مختلف،
مكتوب بخط أسرع، وكأن السواق كان بيكتب وهو خاېف.
لو حد لقى الدفتر ده، لازم يعرف إن الأطفال ما اختفوش كلهم في نفس اللحظة. واحد منهم خرج قبل بداية التجربة. وواحد تاني رجع بعدها. لكن الشخص اللي رجع ما كانش هو نفس الشخص اللي دخل.
لانا وقفت عند الجملة.
قرأتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
دانيال سألها
يعني إيه الكلام ده؟
لانا هزّت راسها.
مش عارفة. لكن لازم نعرف مين الطفل اللي خرج، ومين اللي رجع.
في آخر الدفتر، كانت فيه ورقة منفصلة عليها أسماء الأطفال الخمستاشر.
لكن المرة دي، العلامات مختلفة.
جنب أربعة عشر اسمًا، كانت فيه علامة صغيرة بالقلم الأسود.
أما الاسم الأخير، اسم الطفلة إيميلي كارتر، فكان محاطًا بدائرة حمراء.
وتحت الاسم، مكتوب
هي الوحيدة اللي سمعت الصوت الحقيقي.
لانا حسّت إن قلبها بيقبض.
إيميلي كانت الطفلة الوحيدة اللي قدرت تشوفها خلف الزجاج.
وهي نفسها اللي قالت إن المدرّس حذرهم من الراجل اللي بيقول إنه عايز يخرجهم.
هل كان المدرّس بيحاول يحمي الأطفال من هنري؟
ولا كان بيحاول يحميهم من شيء أخطر؟
لانا رجعت للمركز، وطلبت من هنري يفسر الكلام.
لكن لما وصلوا، اكتشفوا إن الغرفة اللي كان واقف فيها اختفت من الممر.
الباب المفتوح بقى مقفولًا.
والأنوار مطفية.
أما جهاز التسجيل، فكان بيصدر صوت تشويش مستمر.
دانيال صړخ
هنري!
مفيش رد.
الفريق بدأ يفتش المكان، لكنهم ما لقوش أي أثر للرجل.
وكأن وجوده في الممر ما كانش حقيقيًا من الأساس.
لانا رجعت للزجاج.
الطفلة إيميلي كانت لسه موجودة.
لكن المرة دي، ما كانتش لوحدها.
وراها كان فيه أربعة عشر طفلًا قاعدين على الكراسي، وكلهم بيبصوا ناحية لانا.
وفي آخر الغرفة، كان فيه رجل واقف بظهره ليهم.
رجل لابس زيّ مدرّس قديم.
لما استدار، لانا عرفت وجهه من الصور الموجودة في ملف القضية.
الأستاذ جوناثان ريد.
المدرّس اللي اختفى مع الأطفال سنة 1986.
رفع إيده ناحية الزجاج، وحط كفّه عليه.
وبعدين قال بصوت واضح
ما تصدقيش هنري.
الفصل التاسع الأستاذ جوناثان يحكي الحقيقة
لانا
وقفت قدام الزجاج.
إنت الأستاذ جوناثان؟
الرجل أومأ برأسه.
أيوه.
إيه اللي حصل للأطفال؟
جوناثان بصّ ناحية التلاميذ، وبعدها رجع بصّ
لها.
كنت فاكر إن الرحلة هتكون عادية. لكن في نص الطريق، آرثر غيّر المسار، وقال لي إن فيه عطل في الطريق الرئيسي، وإننا لازم نستخدم طريقًا بديلًا.
وكنت تعرف إنه رايح للمركز؟
لأ. لما وصلنا، ظهر هنري ومعاه مجموعة من الرجال. قالوا إن المدرسة وافقت على اختبار قصير، وإن الأطفال هيرجعوا في نفس اليوم.
لانا سألت
وإنت وافقت؟
جوناثان هزّ راسه.
اعترضت. لكنهم قالوا إنهم مش هيعملوا أي حاجة من غير موافقة أولياء الأمور. وورّوني أوراقًا عليها توقيعات. ما كنتش أعرف إنها مزورة.
لانا حسّت بالڠضب.
وبعدين؟
أخدونا للغرفة. الأطفال كانوا فاكرين إننا هنشوف عرضًا علميًا. لكن أول ما الجهاز اشتغل، حصل شيء غريب. الأنوار بدأت تومض، والساعة وقفت، والأطفال اختفوا من قدامي واحد ورا التاني.
جوناثان غمّض عينيه.
حاولت أخرجهم. لكن كل ما كنت بفتح بابًا، ألاقي نفسي في نفس الغرفة. فضلت أجري في الممرات، لحد ما سمعت صوت إيميلي بتنادي عليّ.
لانا بصّت للطفلة.
وإيه اللي حصل بعدها؟
لقيتهم قاعدين في الفصل ده. كلهم موجودين، وكلهم فاكرين إن الرحلة لسه ما بدأتش. حاولت أشرح لهم، لكنهم ما صدقونيش.
ليه ما خرجتش معاهم؟
جوناثان بصّ لها بحزن.
لأني ما كنتش قادر أوصل للباب. كنت شايفهم، وهم كانوا شايفيني، لكن بيننا حاجز ما كنتش فاهمه.
وهنري؟
وشّ جوناثان اتغير.
هنري ما كانش عايز يرجّعهم. كان عايز يفهم اللي حصل، حتى لو اضطر يكرر التجربة.
لانا سألت
طب إيه الصوت الحقيقي اللي إيميلي سمعته؟
جوناثان سكت طويلًا.
وبعدين قال
صوت طفل بيقول اسمه.
مين الطفل ده؟
توماس.
لانا اتجمدت.
ابن آرثر؟
جوناثان أومأ.
توماس كان موجودًا في المركز قبل الرحلة. وكان أول شخص اختفى خلال تجربة سابقة. لكن لما رجع، قال إن فيه شخصًا تاني كان معاه، شخص بيشبهه تمامًا.
لانا افتكرت كلام توماس عن إنه ما كانش راكب الأتوبيس.
لكن إزاي كان في صورتهم؟
وإزاي قدر يرجع؟
جوناثان كمل
آرثر اكتشف إن ابنه رجع مختلفًا. ما كانش
متأكد إذا كان ده ابنه فعلًا، ولا مجرد شخص بيشبهه. لكنه كان بيحبه، وما قدرش يواجه الحقيقة.
لانا قربت من الزجاج.
إنت بتقول إن توماس اللي قابلته في القسم ممكن ما يكونش توماس الحقيقي؟
جوناثان رد بهدوء
أنا بقول إنك لازم تسأليه عن الساعة 417.
في اللحظة دي، كل الأنوار في المركز انطفأت.
والأطفال الخمستاشر اختفوا من الغرفة.
لما النور رجع بعد ثوانٍ، كان الفصل خاليًا.
وجوناثان اختفى.
لكن على الزجاج، ظهرت كلمات كأن حد كتبها من الناحية التانية بإصبعه
المرة الجاية، هتكوني إنتِ اللي جوه.
الفصل العاشر آخر زيارة لتوماس
لانا رجعت القسم وهي مش قادرة ترتب أفكارها.
كل الأدلة كانت بتقول إن فيه شيء حصل في المركز سنة 1986، لكن ما كانش فيه تفسير علمي مؤكد لكل اللي شافوه.
أما توماس، فكان هو المفتاح الوحيد اللي ممكن يربط الأحداث ببعضها.
وصلت لغرفة التحقيق، وطلبت مقابلة توماس مرة تانية.
لكن الضابط المناوب قال لها إن الراجل مشي من القسم قبل ساعة، بعد ما قال إنه محتاج يرجع بيته.
لانا سألت عن عنوانه، وأخدت العنوان من الملف.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلت لمنزل قديم في أطراف البلدة.
الباب كان مواربًا.
نادت
أستاذ توماس؟
مفيش رد.
دخلت بحذر.
الصالة كانت مليانة صور قديمة، وكتب، وصناديق كرتون.
وعلى الحائط، كانت فيه صورة لولد صغير واقف جنب أتوبيس أصفر.
لانا قربت منها.
كان الولد توماس.
لكن الصورة كانت مؤرخة في مايو 1986، ومكتوب على ظهرها بخط آرثر
ابني الحقيقي. قبل ما يرجع.
لانا حسّت إن الډم انسحب من وشها.
في نفس اللحظة، سمعت صوتًا جاي من المطبخ.
كنت عارف إنك هتيجي.
استدارت.
توماس كان واقفًا عند الباب، ماسك كوبًا من المياه.
لانا واجهته بالصورة.
إنت مين؟
توماس بصّ للصورة، وبعدها نزل عينيه.
أنا توماس.
إنت قلت إنك ما كنتش في الأتوبيس، وإن أبوك اختفى. لكن لقيت صورتك في المركز، ولقيت كلامًا في دفتره بيقول إن الطفل اللي رجع ما كانش هو نفس الطفل اللي دخل.
توماس
سكت.
لانا قربت منه.
عايزة الحقيقة. دلوقتي.
توماس قعد على الكرسي، وحط الكوب على الترابيزة.
لما كنت عندي عشر سنين، أبويا جابني للمركز. قال لي إنهم هيعملوا اختبارًا بسيطًا، وإنه مش هيحصل لي أي حاجة.
وبعدين؟
دخلوني غرفة صغيرة، وطلبوا مني أسمع صوتًا معينًا في سماعات. في البداية، سمعت صوت أمي وهي بتناديني. أمي كانت ماټت من سنتين، فافتكرت إنهم بيحاولوا يخدعوني.
لانا فضلت ساكتة.
بعدها سمعت صوت أبويا. كان بيقول لي أفتح الباب. فتحته، ولقيت نفسي في مكان شبه الغابة، لكن كل الأشجار كانت بيضاء، والسماء كانت رمادية. شوفت أتوبيس المدرسة واقفًا بعيدًا، وسمعت أصوات أطفال جواه.
توماس رفع عينيه.
جريت ناحية الأتوبيس، لكن قبل ما أوصل، سمعت صوتًا بيقول لي ارجع. إنت لسه ما خلصتش.
مين اللي قال كده؟
ما شفتش حد.
لانا سألته
وبعدين رجعت للمركز؟
توماس هزّ راسه.
فجأة لقيت نفسي على الأرض، وأبويا پيصرخ باسمي. قالوا إن سبع دقايق بس عدّت، لكن بالنسبة لي، كنت عايش في المكان ده يومين كاملين.
لانا بصّت له بتركيز.
يعني إنت كنت أول شخص اتعرض للتجربة.
أيوه.
والأطفال؟
توماس غمّض عينيه.
أبويا وافق ياخد الأتوبيس للمركز لأنه كان فاكر إنه يقدر يرجعهم. كان عايز يصلح اللي حصل لي. لكن لما بدأت التجربة، كل شيء خرج عن السيطرة.
إنت كنت راكب الأتوبيس يوم الرحلة؟
توماس هزّ راسه ببطء.
لأ. كنت في البيت. لكن بعد اختفاء الأتوبيس، بدأت أسمع أصوات الأطفال في أحلامي. كل ليلة، نفس الأصوات. كانوا بيطلبوا مني أرجعهم.
لانا سألت
ليه جيت القسم وقلت إنك كنت راكب الأتوبيس؟
توماس بصّ لها، وعينيه امتلأت بالدموع.
لأن الرسالة اللي وصلتني ما كانتش أول رسالة. من سنين، وأنا بيجيلي جواب كل فترة. وكل جواب فيه اسم طفل من الأطفال الخمستاشر.
مد إيده ناحية درج المكتب، وطلع صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحه.
جواه كانت فيه خمس عشرة ورقة.
كل ورقة عليها اسم طفل.
وعلى كل ورقة، كان فيه تاريخ مختلف.
لانا
أخدت أول ورقة.
كان مكتوب عليها
إيميلي كارتر 1994.
والورقة اللي بعدها
طفل رجعوا.
بعد 39 سنة من الاختفاء.
لكنهم كانوا مقتنعين إنهم غابوا لبضع دقائق فقط.
أما توماس، فاختفى من منزله في نفس الليلة.
لانا فتشت بيته مرة تانية، لكنها ما لقتش أي أثر له.
كل اللي لقته كان ظرفًا صغيرًا فوق مكتبه.
داخله صورة قديمة للأتوبيس الأصفر.
وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط آرثر ميلر
لو ابني رجع، ما تسألوش هو كان فين. اسألوه مين اللي رجع معاه.
لانا فضلت باصة للجملة وقتًا طويلًا.
هل توماس كان هو نفسه الطفل اللي اختفى في التجربة الأولى؟
ولا كان فيه شخص تاني رجع مكانه؟
ما كانش عندها إجابة.
لكنها كانت عارفة إن القضية ما انتهتش بالكامل.
الفصل الثالث عشر آخر ملف
بعد مرور ثلاثة أشهر، بدأت السلطات تحقيقًا رسميًا في مشروع الصدى.
تم إغلاق المركز، ومصادرة الأجهزة والملفات، واستجواب كل شخص كان له علاقة بالمشروع.
لكن الدكتور هنري كول لم يظهر مرة أخرى.
بعض السجلات قالت إنه ماټ سنة 1991.
وسجلات تانية أشارت إلى إنه غادر البلاد في أواخر الثمانينيات.
أما اسمه في ملفات المشروع، فكان يظهر أحيانًا بصفته المسؤول الرئيسي، وأحيانًا بصفته شخصًا مجهولًا لا توجد له أي بيانات رسمية.
حتى الصور القديمة كانت مختلفة.
في بعض الصور، كان هنري يبدو رجلًا في الأربعينيات.
وفي صور أخرى، كان يبدو عجوزًا للغاية.
أما لانا، فقررت إنها مش هتقفل القضية قبل ما تعرف حقيقة توماس.
كانت بتراجع الملفات في مكتبها ليلة ممطرة، لما وصلها ظرف من غير اسم مرسل.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح نحاسي صغير، وورقة واحدة.
مكتوب عليها
الغابة ما كانتش مكان الاختفاء. كانت مكان العودة.
لانا قلبت الورقة.
على ظهرها، كان فيه عنوان قديم لمبنى مهجور خارج البلدة.
وفي الأسفل، توقيع
آرثر ميلر.
لانا استدعت دانيال، وراحوا للمكان في صباح اليوم التالي.
كان المبنى قديمًا، مكوّنًا من طابقين، ومحاطًا بسياج معدني متهالك.
الباب الرئيسي كان مقفولًا، لكن المفتاح النحاسي فتحه بسهولة.
دخلوا.
في الطابق الأرضي، لقوا غرفة مليانة صناديق وأوراق.
وفي الطابق العلوي، كانت فيه غرفة صغيرة، على جدرانها صور الأطفال الخمستاشر.
تحت كل صورة، كان فيه تاريخ.
لكن التواريخ ما كانتش تواريخ ميلادهم.
كانت تواريخ ظهورهم في الغابة، وفقًا للملاحظات المكتوبة.
آخر صورة كانت لإيميلي كارتر.
وتحتها تاريخ
25 أكتوبر 2025.
لانا قربت من الصورة.
لكنها لاحظت إن فيه صورة تانية مخبّاة خلفها.
سحبتها.
كانت صورة لطفل صغير، واقف قدام باب معدني.
الطفل كان توماس.
وبجانبه، كان فيه ولد تاني مطابق له تمامًا.
نفس الوجه.
نفس الشعر.
نفس الملابس.
لكن الفرق الوحيد إن واحد منهم كان بيبتسم، والتاني كان بيبص للكاميرا بړعب.
على ظهر الصورة، كانت فيه جملة
التجربة الأولى نجحت. لكننا أخرجنا الشخص الخطأ.
دانيال قرأ الجملة بصوت منخفض.
يعني إيه الشخص الخطأ؟
لانا ما ردتش.
لأنها بدأت تفهم.
توماس الحقيقي ربما لم يعد إلى العالم الخارجي أصلًا.
والشخص الذي عاش حياته بعد سنة 1986 ربما كان نسخة أخرى منه، أو صورة لا يعرف أحد طبيعتها.
لكن ما لم تستطع فهمه هو كيف يمكن لصورة قديمة أن تحمل كل هذا المعنى من دون أن تقدم أي دليل قاطع.
قلبت الصورة مرة أخرى.
كان فيه سطر صغير مكتوب تحت الجملة الأولى
إذا عاد الأطفال، فسيعود هو أيضًا.
وفجأة، سمعوا صوتًا خلفهم.
أنا رجعت بالفعل.
استدارا.
كان توماس واقفًا عند باب الغرفة.
لكن شكله كان مختلفًا.
كان يبدو أصغر سنًا،
كأنه طفل في العاشرة، ويرتدي نفس الجاكيت البني الموجود في الصورة.
لانا اتجمدت.
توماس بصّ لها، وابتسم ابتسامة حزينة.
إنتِ رجعتيهم يا لانا.
لانا سألت بصوت مرتعش
إنت مين؟
توماس ما ردش.
بصّ ناحية النافذة، حيث كانت الغابة ظاهرة من بعيد.
وبعدين قال
أبويا كان فاكر إنه يقدر ينقذني. لكنه ما فهمش إن اللي بيرجع من المكان ده مش دايمًا بيكون الشخص اللي دخل.
لانا قربت منه خطوة.
إنت توماس الحقيقي؟
الولد ابتسم.
أنا توماس اللي كان مستني يرجع البيت.
والراجل اللي قابلته في القسم؟
ابتسامته اختفت.
ده كان توماس اللي عاش حياتي.
لانا حست إن كل حاجة حواليها بتدور.
يعني إنت كنت هناك طول السنين دي؟
الولد أومأ.
بالنسبة لي، ما عدّاش غير يوم واحد.
وبعدين بدأ يتراجع ناحية الباب.
لانا جريت ناحيته.
استنى! لازم نفهم اللي حصل!
لكن قبل ما توصل له، اختفى.
ما كانش فيه صوت.
ولا ضوء.
ولا حتى أثر لأقدامه.
فقط الجاكيت البني كان مرميًا على الأرض.
ولما لانا رفعته، لقت في جيبه ورقة صغيرة.
عليها اسم واحد.
إيميلي كارتر.
وتحت الاسم، جملة أخيرة
هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة كاملة.
الفصل الرابع عشر السؤال الأخير
لانا رجعت المستشفى، وطلبت مقابلة إيميلي على انفراد.
كانت الطفلة قاعدة جنب الشباك، بتبص للشارع، وبتسأل كل شوية عن موعد رجوعها للمدرسة.
لانا قعدت جنبها.
إيميلي، فاكرة توماس؟
الطفلة ابتسمت.
أيوه. كان معانا في الرحلة.
لانا اتفاجئت.
توماس كان معاكم؟
إيميلي هزّت راسها.
كان قاعد في آخر الأتوبيس، جنب الشباك. الأستاذ جوناثان قال لنا إنه ابن السواق، وإنه هيرجع معانا.
لانا فتحت ملف القضية، وورّتها صورة الأطفال الخمستاشر.
شايفة توماس في الصورة؟
إيميلي بصّت للصورة طويلًا.
وبعدين أشارت إلى مكان فاضي بين طفلين.
هو كان هنا.
لكن المكان اللي أشارت له كان خاليًا.
لانا قالت
مفيش حد في المكان ده يا إيميلي.
الطفلة رفعت عينيها.
عشان هو ما كانش موجودًا لما اتصورت الصورة.
لانا حسّت إن قلبها بدأ يدق أسرع.
طب إمتى ظهر؟
إيميلي فكرت شوية.
بعد ما النور طفى. سمعنا صوت باب بيتفتح، وبعدها دخل ولد شبه توماس. الأستاذ جوناثان قال لنا ما نقربش منه.
ليه؟
الطفلة نزلت عينيها.
عشان الولد الأول كان لسه جوه.
لانا سكتت.
يعني كان فيه اتنين؟
إيميلي هزّت راسها.
أيوه. واحد دخل من الباب، وواحد خرج من الشباك.
لانا سألتها
واللي خرج راح فين؟
إيميلي أشارت ناحية الغابة.
رجع البيت.
لانا فضلت ساكتة.كانت بتحاول تفهم إذا كانت إيميلي بتتكلم عن شيء حقيقي عاشته، أو عن ذكرى مشوشة من تجربة لم يفهمها أحد حتى الآن.
لكن الطفلة أضافت جملة أخيرة.
الأستاذ جوناثان قال لنا إننا لازم ننسى الولد اللي خرج. عشان لو افتكرناه، هو هيعرف إننا رجعنا.
لانا قامت من مكانها ببطء.
مين هو؟
إيميلي بصّت لها.
اللي كان بيخبط على باب الأتوبيس من بره.
وفي اللحظة دي، سمعوا ثلاث خبطات على شباك
المستشفى.
لانا استدارت بسرعة.
لكن ما كانش فيه حد.
على الزجاج، كانت فيه ورقة صغيرة مثبتة من الخارج.
فتحت الشباك وأخدتها.
كان مكتوبًا عليها
شكرًا لأنك رجّعتيهم. دلوقتي دوري أرجع.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع.
توماس ميلر.
الخاتمة الأتوبيس لم يكن النهاية
مرت سنة كاملة على اكتشاف الأتوبيس.
الأطفال الخمستاشر بدأوا يتأقلموا مع عالم اتغير تمامًا من غيرهم.
بعضهم رجع لعائلاته، وبعضهم عاش مع أقارب لم يكن يعرفهم من قبل.
أما الأستاذ جوناثان، فظل متمسكًا بروايته
عن الرحلة، لكنه لم يستطع تقديم تفسير علمي لما حدث.
المركز السري أُغلق نهائيًا، وأُزيلت الأجهزة، وصدرت تقارير رسمية تتهم المسؤولين عن المشروع بالتجارب غير القانونية وإخفاء الأدلة.
لكن ملف اختفاء الأطفال ظل مفتوحًا.
لأن توماس لم يظهر مرة أخرى.
ولا أحد عرف إذا كان الرجل الذي عاش في البلدة طوال العقود الماضية هو توماس الحقيقي، أو شخصًا آخر عاد من التجربة بدلًا منه.
أما لانا، فكانت تحتفظ بالورقة الأخيرة في درج مكتبها.
كل ليلة، قبل ما تمشي، كانت تخرجها وتقرأها.
دلوقتي دوري أرجع.
كانت بتحاول تقنع نفسها إن القصة انتهت.
لكن في صباح يوم عادي، وصلها اتصال من فريق الصيانة المسؤول عن نقل الأتوبيس إلى مستودع الأدلة.
قال العامل على الهاتف
يا فندم، لازم تيجي هنا فورًا. فيه حاجة غريبة حصلت.
لانا سألت
إيه اللي حصل؟
الرجل رد بصوت مرتعش
الأتوبيس اتحرك.
لانا ما صدقتش.
إزاي يعني اتحرك؟ ده مركون جوه مستودع مقفول!
إحنا كنا بنراجع التسجيلات. الأتوبيس كان في مكانه الساعة 216 الفجر. وبعدها الكاميرات فصلت لمدة دقيقة واحدة. لما رجعت، الأتوبيس كان واقفًا في الناحية التانية من المستودع.
لانا لبست جاكيتها وراحت فورًا.
لما وصلت، لقت الأبواب مقفولة، والحراسة موجودة، والأتوبيس في مكانه فعلًا.
لكن فيه حاجة جديدة.
على الزجاج الأمامي، كانت فيه ورقة بيضاء.
قربت منها.
كانت مكتوبة بخط أحمر، بنفس الخط اللي ظهر في الورقة القديمة.
خمستاشر رجعوا لكن واحد لسه مستني.
لانا رجعت خطوة لورا.
وفي اللحظة دي، اشتغل راديو الأتوبيس القديم من غير ما حد يلمسه.
صدر صوت تشويش، وبعده صوت طفل صغير بيقول
يا آنسة لانا هو إحنا هنروح الرحلة إمتى؟
لانا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتكلم.
الصوت اتكرر مرة تانية.
يا آنسة لانا؟
وبعدين سمعته بيهمس
إحنا مش خمستاشر.
انقطع الصوت.
وبعد ثوانٍ، ظهرت على زجاج الأتوبيس بصمة كف صغيرة من الداخل.
ثم بصمة تانية.
ثم ثالثة.
لانا قربت ببطء، ووجهت الكشاف ناحية المقاعد.
كانت كل المقاعد فاضية.
ما عدا المقعد الأخير.
كان فيه طفل صغير قاعد وظهره للباب، لابس جاكيت بني قديم.
ولما استدار ناحية الزجاج، رفعت لانا الكشاف على وجهه.
كان توماس.
لكن مش توماس العجوز اللي قابلته في القسم.
كان الطفل اللي ظهر في الصورة القديمة.
رفع إيده ولوّح لها.
وبعدين قال
المرة دي، إنتِ اللي لازم تركبي معانا.
وفي اللحظة اللي لانا حاولت فيها تنادي الحراس، اتقفل باب المستودع لوحده.
وانطفأت الأنوار.
وفي صباح اليوم التالي، لما الشرطة فتحت المستودع، كان الأتوبيس موجودًا في مكانه.
لكن لانا اختفت.
ما كانش فيه أي أثر لها، ولا أي دليل يوضح إزاي خرجت من مبنى محكم الإغلاق.
على مقعد السواق، وجدوا دفترًا أسود جديدًا.
على الصفحة الأولى، كان مكتوبًا
الرحلة رقم 2 المجموعة مكتملة.
وتحتها ستة عشر اسمًا.
خمستاشر طفلًا.
والاسم السادس عشر
لانا موريس.
أما على الصفحة الأخيرة، فكانت هناك جملة مكتوبة باللون الأحمر
لو لقيتوا الأتوبيس مرة تانية ما تفتحوش الأبواب.
ومن يومها، اختفى الأتوبيس الأصفر من مستودع الأدلة.
رغم إن الأبواب كانت مقفولة، والحراسة كانت موجودة، والكاميرات كانت شغالة.
وبعد عدة شهور، وصل بلاغ من بلدة تبعد مئات الكيلومترات عن الغابة.
أحد السكان قال إنه شاف أتوبيس مدرسة أصفر قديم واقفًا على جانب طريق مهجور، في ليلة ممطرة.
ولما قرب منه، سمع صوت أطفال بيضحكوا من الداخل.
ثم رأى امرأة جالسة
خلف الزجاج الأمامي، تنظر إليه مباشرة.
كانت لانا.
رفعت إيدها ببطء، وكتبت بإصبعها على الزجاج كلمتين
لسه مستنيين.
وفي اللحظة التالية، تحرك الأتوبيس واختفى وسط الضباب.
ولم يره أحد مرة أخرى.
النهاية ولا يمكن تكون دي مجرد بداية لرحلة جديدة؟



