حامل في ال٨٠

تتأكدي إنك بخير.
مدت إيدها داخل الصندوق، وطلعت ظرفًا صغيرًا عليه اسمي.
الفصل الحادي عشر الرسالة اللي كانت ليا وحدي
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب قصير، بخط روبرت نفسه.
مارجريت،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا عديتِ بوقت صعب، ويمكن تكوني خفتي من حاجات ما كنتيش فاهمة سببها.
أنا عارف إنك هتسألي نفسك ليه ما قلتلكيش كل حاجة.
الحقيقة إني كنت خاېف. مش منك، لكن من إنك تشيلي همومًا زيادة عن اللي كنتِ شايلها.
أنا شفتك بتربي أولادنا، وبتواجهي صعوبات الحياة، وبتحاولي تخلي بيتنا آمن حتى لما الدنيا كانت صعبة.
كنتِ دايمًا أقوى مني في حاجات كتير، لكني ما كنتش عايز أحملك سرًا آخر.
أنا آسف إني أخدت القرار بدلًا منك.
لو فيه حاجة واحدة أتمنى تفتكريها، فهي إن الحب مش معناه إننا نخبي كل حاجة عن بعض. الحب الحقيقي إننا نثق في بعض، حتى لما الحقيقة تكون صعبة.
وأتمنى إنك تسامحيني على صمتي.
روبرت.
ضممت الرسالة لصدري، وفضلت أبكي.
كنت فاكرة إني هكتشف سرًا مرعبًا عن جوزي.
لكن اللي اكتشفته إن الراجل اللي عشت معاه عمري كله كان عنده خوف وضعف وأخطاء، زي أي إنسان.
وإنه، رغم حبه ليا، أخطأ لما قرر إني مش هقدر أتحمل الحقيقة.
دانيال قعد جنبي وقال
ماما، أنا زعلان إنه ما قالناش. لكني فاهم إنه كان بيحاول يحميكي.
رديت عليه
يمكن يا ابني. لكن لو رجع بيا الزمن، كنت هطلب منه يحكي لي كل حاجة. كنت هفضل جنبه مهما كانت الحقيقة.
سارة مسكت إيدي.
على الأقل، دلوقتي إنتوا عرفتوا اللي كان مستخبي، ومش هتفضلي شايلة الخۏف لوحدك.
بصيت لهم.
لأول مرة من شهور، ما حسيتش إني لوحدي.
ما كانش عندي كل الإجابات، لكن ما عدتش محتاجة أواجه الأسئلة وحدي.
أما مايكل، فقد قرر إنه يسلم المستندات الأصلية للجهات المختصة، عشان يتم توثيق الحقيقة المتعلقة بالقضية القديمة، من غير ما يحولها لاټهامات جديدة ما عليهاش دليل.
وبعد مراجعة الأوراق، ظهرت مستندات تدعم براءة روبرت من الاټهامات المالية القديمة، واتضح إن بعض العقود اتغيرت بالفعل بطريقة غير قانونية.
ما كانش فيه اڼتقام، ولا ڤضيحة ضخمة زي ما كنا متخيلين.
كان فيه حق قديم رجع لصاحبه، ولو بعد سنين طويلة.
الفصل الثاني عشر بعد ما اختفى الخۏف
عدت أسابيع، وبدأت أتعافى من العملية.
كنت بروح مواعيد المتابعة، وألتزم بتعليمات الأطباء، وكل يوم كنت بحس إني أقوى شوية.
بطني بدأت ترجع لحجمها الطبيعي تدريجيًا، وبقيت أقدر أتحرك براحة أكتر.
أما دانيال، فكان بيزورني كل يوم تقريبًا، رغم إن بيته مش بعيد عني.
وفي يوم، دخل عليّ وهو شايل صندوقًا صغيرًا.
قال
ماما، لقيت حاجة في المخزن، وافتكرت إنك ممكن تحبي تحتفظي بيها.
فتح الصندوق.
كان فيه ساعة روبرت القديمة، ونظارته، وصورة لينا يوم زفافنا.
أخدت الصورة.
كنت فيها شابة، وشعري طويل، وروبرت واقف جنبي وبيضحك.
ابتسمت رغم دموعي.
أبوك كان بيضحك من قلبه في اليوم ده.
دانيال قعد جنبي وقال
ماما، أنا عايز أسألك سؤالًا.
اسأل يا حبيبي.
إنتِ ندمانة إنك حافظتي على وعد بابا؟
فكرت شوية قبل ما أرد.
أنا ندمانة إني فضلت خاېفة من السر كل السنين دي. لكني ما كنتش أعرف إن الحقيقة كانت بالشكل ده. أبوك طلب مني وعدًا، وأنا احترمته، لكن يمكن كان لازم أسأله أسئلة أكتر.
دانيال هز راسه.
أنا بس مش عايزك تخبي عني حاجة تاني.
ابتسمت وقلت
ولا أنا عايزاك تخبي عني. من النهارده، لو فيه حاجة مضايقاك، نتكلم. ولو فيه حاجة مخوفاك، نواجهها سوا.
حضنني.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا رجعنا عيلة واحدة من جديد.
بعد أيام، إليزابيث زارتني.
قعدنا في الحديقة، وشربنا الشاي، وحكينا عن الأيام القديمة.
سألتها
ليه روبرت ما طلبش منك تشرحي لي الحقيقة قبل ما ېموت؟
ردت
لأنه كان خاېف إنك تفتكري إن فيه علاقة بيني وبينه بعد جوازكم. كان عارف إنك بتحبيه، وما كانش عايز يجرحك. لكنه ما فهمش إن الصمت ساعات بيوجع أكتر من الحقيقة.
قلت لها
وأنتِ ليه وافقتي تفضلي ساكتة؟
ابتسمت بحزن.
لأني وعدته. ولأني كنت فاكرة إن الوقت هيحل كل حاجة. لكن الوقت لوحده ما بيحلش الأسرار. الحقيقة هي اللي بتعمل كده.
فضلنا ساكتين شوية.
وبعدين قلت لها
أنا مسامحاك يا إليزابيث.
دموعها نزلت.
شكرًا يا مارجريت.
ما كانش بينا أي عداوة حقيقية، لكن السنين صنعت جدارًا من الخۏف والشك.
وفي اللحظة دي، حسيت إن الجدار بدأ ينهار.
الفصل الأخير الحقيقة اللي غيرت حياتنا
بعد ثلاثة شهور، كنت واقفة قدام المراية في أوضتي، بلبس فستاني المفضل اللي ما قدرتش ألبسه من شهور.
بصيت لنفسي، وابتسمت.
كنت لسه عندي 80 سنة، ولسه عندي تجاعيد وشعر أبيض، ولسه بفكر في روبرت كل يوم.
لكن فيه حاجة اتغيرت.
ما عدتش شايلة الخۏف نفسه.
الكتلة اللي ظهرت في بطني كانت مشكلة صحية احتاجت إلى علاج ومتابعة، وما كانش فيه أي دليل إنها حمل أو إنها نتيجة مؤامرة قديمة. أما السر اللي عاش معايا 12 سنة، فكان متعلقًا بقضية ظلم قديمة، وبوعد أخدته من إنسان كنت بحبه، وبحقيقة ما كانش من المفروض تفضل مخفية طول العمر.
دانيال وسارة بقوا يزوروني بانتظام، وأحفادي كانوا بييجوا كل أسبوع، والبيت اللي كان هاديًا زيادة عن اللزوم بقى مليان ضحك وحكايات.
وفي يوم، اجتمعنا كلنا على الغدا.
دانيال رفع كوب الميه وقال
عايز أقول حاجة. الفترة اللي فاتت خلتني أفهم إننا ساعات بنفتكر إننا عارفين كل حاجة عن أقرب الناس لينا، لكن الحقيقة إن كل واحد جوانا عنده حكايات وخوف وحاجات مش بيعرف يقولها.
بص لي وابتسم.
بس أهم حاجة إننا ما نسيبش الخۏف يمنعنا من الكلام.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
قلت لهم
أنا اتعلمت درسًا متأخرًا جدًا. مفيش وعد يستاهل إن الإنسان يعيش عمره كله مرعوبًا من الحقيقة. ومفيش حب حقيقي لازم يبقى مبنيًا على الصمت.
سارة حضنتني، والأحفاد بدأوا يسألوني عن صور زمان.
أما أنا، فطلعت صورة روبرت القديمة وحطيتها وسط الصور العائلية.
ما كنتش عايزة أخبيها في درج تاني.
كنت عايزة أفتكر جوزي بكل اللي فيه؛ حبه، وخوفه، وأخطاؤه، ومحاولته الأخيرة إنه يصلح اللي قدر عليه.
وفي المساء، لما الكل مشي، قعدت وحدي في الحديقة.
رفعت عيني للسما وقلت بهدوء
يا روبرت، أنا عرفت الحقيقة. ويمكن ما فهمتش كل حاجة، لكني مش زعلانة منك زي الأول. أتمنى تكون عرفت إننا قدرنا نكمل.
وبعدها ابتسمت.
لأنني أخيرًا فهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد قصة عن بطن كبرت، أو فحوصات غريبة، أو سر قديم.
كانت قصة عن الخۏف من المجهول، وعن الثقة، وعن إن الإنسان ممكن يعيش سنين وهو فاكر إن الحقيقة هتدمره، بينما الحقيقة نفسها هي اللي تقدر تحرره.
لكن فيه حاجة واحدة فضلت فاكرها طول عمري
في اليوم اللي الدكتورة سألتني فيه إذا كنت حاملًا، كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وإن جسمي بيخبي سرًا مرعبًا.
لكن الحقيقة كانت إن جسمي محتاج علاجًا، وقلبي كان محتاج يتخلص من خوف قديم.
وفي النهاية، ما كانش أهم سؤال هو إيه الموجود جوا بطني؟
كان السؤال الأهم
ليه بنسيب الخۏف يسرق مننا سنين عمرنا، وإحنا ممكن نواجه الحقيقة سوا؟
أنا مارجريت، عندي 80 سنة، وعشت ما يكفي عشان أعرف إن الأسرار ممكن تفضل مدفونة سنين، لكن الحقيقة مش دايمًا بتظهر عشان تعاقبنا.
أحيانًا بتظهر عشان تخلينا نبدأ من جديد.



