عيال جوزى ١ حكايات صافي هانى

​تنحنحتُ بهدوء، وأخذتُ رشفة من شايي، وقلت بنبرة باردة لم يعهدها مني طوال اثني عشر عاماً: “شغل عيال؟ مش عيالك دول برضه اللي قالوا لي إني كنت بساعدك أنت بس، وإنهم مطلبوش مني حاجة؟ أنا ببساطة نفذت رغبتهم. رفعت إيدي عن حياة ناس غريبة ماليش صفة معاهم.”

​”بس الفلوس دي إحنا ماشيين بيها حالنا يا كريمة! الشراكة اللي بيننا والبيت…”

​قاطعته بقسوة لأول مرة في حياتي: “البيت اللي سددت أقساطه من تحويشة عمري مسجل باسمك واسمي مناصفة يا جلال. وأنا رفعت دعوى فض شركة وتصفية حسابات.. يعني البيت ده هيتباع، وكل واحد ياخد حقه. خليهم بقى يوروني مين هيشيل فواتير عيشة التجمع.”

​أغلقتُ الخط في وجهه دون أن أنتظر رده، تاركة إياه يغرق في حقيقة أن الست الطيبة التي كانت تشتري رضاهم بدم قلبها، قد ماتت.

​في المقابل، كانت ولاء، أمهم الحقيقية، تعيش أسوأ كوابيسها. لسنوات طويلة، كانت ولاء هي الأم الروتينية التي تأتي لتأخذ اللقطة؛ تشتري لهم ملابس براندات في الأعياد من أموال نفقتها، وتجلس في المطاعم الفخمة لتلتقط الصور معهم، تاركة لي الطبخ، والغسيل، والمذاكرة، ودفع الفواتير الكارثية. حين اختفيتُ أنا، لجأ الأولاد لولاء بطبيعة الحال لتنقذهم. ليلى ذهبت إليها باكية: “مامي، محتاجة خمسين ألف جنيه فوراً عشان كورس الرسم ومصاريف الكلية”، وحازم قال لها: “أمي، عربيتي محجوزة محتاج أدفع الغرامة والتأمين الجديد”. ولاء التي لا تملك سوى مظهرها الاجتماعي، وجدت نفسها فجأة مطالبة بدور الأم الحقيقية الذي يتطلب دفع مئات الآلاف، وليس مجرد جمل حب زائفة على فيسبوك.

​بعد أسبوعين من الاختفاء، اضطررتُ للذهاب إلى فيلا التجمع بصحبة المحامي الخاص بي، لإحضار بقية أوراقي الرسمية وبعض متعلقاتي الشخصية قبل أن تبدأ إجراءات بيع الفيلا قانونياً. لم أكن أتوقع أن أجد العائلة كلها مجتمعة، ومعهم ولاء!

​الأجواء داخل الصالة كانت مشحونة. ليلى كانت تجلس وعيناها حمراوان من البكاء، وحازم يدور في الصالة كالمجنون، وجلال يجلس واضعاً رأسه بين يديه، بينما ولاء واقفة تصرخ فيهم وتلوح بشنطتها الفاخرة. حين فتحتُ الباب بالمفتاح ودخلت بصحبة المحامي، ساد صمت رهيب.

​خطى حازم نحوي بغضب اندفاعي: “أنتِ إزاي تعملي كده؟ دمرتِ مستقبلي ومستقبل أختي عشان كلمتين اتقالوا وقت نرفزة؟ أنتِ طلعتِ أنانية ومبتفكريش غير في نفسك!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *