جوزى راح يصطاد 1

صورة واحدة، اتصورت بالظبط يوم ما “جمال” اختفى.
ركبي سابتني ووقعت على الأرض، وبصيت في الشاشة وهمست بصوت مبحوح:
— “لأ.. مش ممكن.”
الدموع بدأت تنزل زي المطر، وحقيقة مرعبة بدأت تتكشف قدام عيني.. الحقيقة اللي كنت متأكدة إنها مكنتش حادثة أبداً.
(عارفة إنكم دلوقتي متشوقين تعرفوا إيه اللي حصل وإيه اللي كان في الصورة..
في الصورة، لم يكن هناك بحيرة، ولا عاصفة، ولا شجر يتأرجح بفعل الرياح. كانت الصورة داخل مستودع قديم مغلق، تظهر فيه إضاءة خافتة آتية من كشاف سيارة شريف. وفي وسط الكادر، كان جمال مقيداً إلى كرسي خشبي، وعلامات الضرب المبرح واضحة على وجهه، وملابسه ممزقة. والصدمة الأكبر التي جعلت الدم يتجمد في عروقي، هي أن يد شريف نفسها كانت تظهر في طرف الصورة، وهي تمسح دماءً عن وجهه، وكأنه كان يوثق انتصاره أو يبتز جمال بشيء ما قبل أن ينهي حياته.
التاريخ والوقت المكتوبان أسفل الصورة كانا يطابقان ليلة الأحد.. الليلة التي كان من المفترض أن يعود فيها جمال إلينا.
مسكت الموبايل بقوة لدرجة أن أظافري كادت تخترق شاشته. كل شيء أصبح واضحاً الآن. شريف لم يكن نائماً، ولم تكن هناك عاصفة فاجأت جمال. شريف خطط لكل شيء، استدرج أخاه بحجة رحلة الصيد، وبدلاً من البحيرة، أخذه إلى ذلك المستودع المهجور الذي يمتلكه جدهم القديم في أطراف البلدة، المستودع الذي أغلقته الشرطة منذ سنوات ولم يخطر ببال أحد أن يفتشه.
نظرت إلى لوجي التي كانت تقف مرعوبة من منظري وأنا أبكي وأرتجف على الأرض. حاولت أن أتمالك نفسي لأجلها، فسألتها بصوت مخنوق:
— “لوجي.. الجاكيت ده كان فين بالظبط؟ وعمك شريف شافك وأنتِ بتاخديه؟”
لوجي هزت رأسها بنفي وهي تبتلع ريقها:
— “لأ يا ماما مشافنيش. هو كان في المطبخ بيعمل عشا، وأنا كنت بلعب استغماية مع أخواتي ودخلت الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر. لقيت دولاب صغير مقفول بقفل قديم، بس القفل كان موارب ومش مقفول للآخر. لما فتحته لقيت الجاكيت ده تحت هدوم كتير، عرفته علطول من ريحته ومن العلامة اللي في الكم. ولما حطيت إيدي في الجيب عشان أشوف فيه إيه، لقيت الموبايل ده.. فخبيته في شنطتي بسرعة ولما عمو شريف نادى علينا لبست الجاكيت وخرجت جري.”
أخذت بناتي في حضني وأنا أرتعد. القاتل كان يدخل بيتنا، يأكل معنا، ويمسح على رؤوس بنات أخيه وهو يعلم أنه حرمنّ من أبيهن إلى الأبد. كان يزن على أذني لأتقبل الواقع، ليس لمواساتي، بل ليدفن سر جريمته تحت تراب النسيان.





