جوزى راح يصطاد 2

دخلنا المستودع. الرائحة بالداخل كانت مزيجاً من الرطوبة، التراب، ورائحة غريبة تشبه الزيت المحروق. أخرجت هاتفي وأشعلت الكشاف، وبدأت أتحرك بحذر والبنات يتشبثن بعباءتي.
بدأت أطابق زوايا المكان بالصورة المخزنة في عهدي من موبايل شريف. مشيت حتى وصلت إلى منتصف المستودع.. وهناك تعثرت قدمي بشيء ما.
وجهت ضوء الكشاف لأسفل، وكدت أصرخ من الصدمة.
كان الكرسي الخشبي نفسه! الكرسي الذي كان جمال مقيداً عليه في الصورة. كان ملقى على جانبه، وإحدى أرجله مكسورة. اقتربت بركب مرتجفة ورفعت الكرسي، وعلى مسنده الظهر، كانت هناك بقع داكنة جافة.. دماء جمال التي جفت منذ سنة كاملة.
ولم يكن هذا كل شيء.. على الأرض بجانب الكرسي، لمح شيء يلمع تحت التراب. جثوت على ركبتي وبدأت أحفر بأصافري حتى أخرجته. كانت “دبلة” الفضة الخاصة بزوجي جمال، ومحفور عليها من الداخل اسمي “سمر”. جمال لم يكن يخلع هذه الدبلة من يده أبداً، ويبدو أنها سقطت منه أثناء مقاومته لشريف.
دموعي سقطت على الدبلة وأنا أضمها إلى صدري. في تلك اللحظة، سمعت صوت حركة بالخارج.. صوت سيارة تقترب ببطء، ثم توقفت تماماً أمام المستودع.
انطفأت مصابيح السيارة، وتحول المكان إلى ظلام دامس، باستثناء ضوء خافت بدأ يقترب من الباب الرئيسي، ومعه صوت خطوات حذاء ثقيل يعرفه قلبي جيداً.. خطوات شريف.
أنفاسي تصاعدت في صدري وجفت تماماً. سحبتُ البنات بسرعة البرق خلف كتل خشبية ضخمة وصناديق معدنية قديمة كانت مرصوصة في زاوية معتمة من المستودع. وضعتُ يدي على فم ابنتي الصغيرة لمنعها من البكاء أو إخراج أي صوت، وضغطتُ بجسدي فوقهن وكأنني أحاول إخفاءهن داخل جدار المستودع.
صوت الجنزير الحديدي على الباب الرئيسي بدأ يقعقع بعنف، يليه صوت المفتاح وهو يدور في القفل الثقيل. صرير الباب الحديدي وهو يُفتح ببطء كان يمزق سكون المكان كأنه سكين.
دخل شريف. ضوء كشافه القوي كان يقطع الظلام مثل سيف، يتحرك يميناً ويساراً، يمسح الأرضية، الصناديق، والأسقف المتهالكة. سمعتُ صوته الرخيم يتردد في أرجاء المستودع، نبرته لم تعد هادئة كما كانت في الهاتف، بل كانت مشحونة بحدّة قاتلة:
— “أنا عارف إنك هنا يا سمر.. وعارف إن التاكسي نزلك هنا. برافو عليكي، تفكير ذكي.. مكنتش فاكر إن عقلك هيجيبك للمكان ده بالذات. بس اللعبة خلصت خلاص.”



