جوزى راح يصطاد 2

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بغصة جافة في حلقي كادت تخنقني. نظرتُ إلى بناتي الثلاث، كنّ يرتجفن من البرد ومن الخوف الذي رأينه في عيني. ضغطتُ على ذراع لوجي برفق لتلتزم الصمت التام، وأجبت شريف بنبرة حاولتُ جاهدة أن تكون عادية، بل وممزوجة ببعض التعب والضيق:

— “أهلاً يا شريف.. احنا خرجنا بسرعة لأن والدتي تعبت فجأة وأختي كلمتني عشان أروح لها المستشفى. أما بخصوص لوجي.. أمانة إيه اللي بتقول عليها؟ البنت مخدتش حاجة، دي كانت بتلعب مع أخواتها، وأنت عارف لوجي بتخاف تلمس حاجة مش بتاعتها. يمكن تكون وقعت منك هنا ولا هنا في الأوضة.”

ساد صمت ثقيل عبر الهاتف، صمت استمر لثوانٍ بدت لي كأنها دهر. كنت أسمع صوت أنفاسه المنتظمة والباردة، ثم قال بنبرة هادئة أشد رعباً من الصراخ:

— “آه.. المستشفى. ألف سلامة عليها يا سمر. بس غريبة.. أنا لسه مكلم ابن خالتك من ربع ساعة وقالي إن الكل تمام ومفيش حد تعبان. على العموم.. أنا واقف قدام باب بيتك المستني، والجو بدأ يمطر.. متتأخريش عشان الموضوع اللي ضاع مني ده ميتأجل الصبح، ولازم يتصلح الليلة.”

أقفل الخط في وجهي دون أن ينتظر رداَ.

البرودة سرت في أطراف جسدي كله. شريف كشف كذبتي، وهو الآن يقف أمام باب بيتي، وربما بدأ يتحرك للبحث عني بعد أن تأكد أنني هربت. لم يعد هناك وقت للذهاب إلى الأستاذ عادل المحامي، فبيته في أول البلدة وشريف قد يلمح سيارتي في أي لحظة.

التفتُّ خلفي ووجدت تاكسي يمر في الشارع، أشرت له بسرعة، وركبنا أنا والبنات. أمليت على السائق عنواناً لم يخطر ببال شريف أبداً.. المستودع القديم!

نعم، المستودع الذي ظهر في الصورة. فكرت سريعاً: شريف يعلم أنني خائفة وسأبحث عن الأمان أو الشرطة، فلن يتوقع أبداً أن أذهب إلى مسرح جريمته. والأهم من ذلك، أنني كنت بحاجة إلى دليل مادي أقوى يربط الصورة بالمكان قبل أن يتحرك شريف ويخفي كل شيء لو شعر بالخطر.

وصلنا إلى أطراف البلدة حيث المنطقة الصناعية المهجورة. كانت الشوارع مظلمة تماماً والمطر ينهمر بغزارة، مما أضفى على المكان وحشة مرعبة. طلب من السائق أن ينتظرني على بعد مسافة قصيرة، وأخذت البنات من أيديهن ومشيت بين الأزقة الضيقة المليئة بالوحل حتى وصلنا إلى المستودع.

الباب الحديدي الكبير كان مغلقاً بجنزير وقفل صدئ، لكن من الواضح أنه كان يُفتح باستمرار لأن الجنزير لم يكن عليه غبار. بحثت حول المكان حتى وجدت نافذة زجاجية مكسورة في الخلف، دفعتُ لوجي بعناية لتمر من خلالها وتفتح لي الباب الصغير الجانبي من الداخل.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *