جوزى راح يصطاد 2

كان يتقدم ببطء، وخطوات حذائه الثقيل تقترب من منتصف المستودع.. حيث الكرسي الخشبي المقلوب والأرض المحفورة التي تركتُ فيها أثراً قبل دقائق. توقفت خطواته فجأة. وجّه ضوء كشافه إلى الأرض، ورأى بالتأكيد علامات أقدامنا في التراب، وعرف أننا على بُعد خطوات منه.

ضحك ضحكة قصيرة جافة، رنت في أذني كأنه كابوس:

— “لقيتي الدبلة صح؟ وجمال.. وحشك جمال؟ أخويا الغبي اللي كان فاكر إن الدنيا بتمشي بالنية الطيبة. كان فاكر إن لما يكتشف إنني سحبت الفلوس من وراه وهيشتري الأرض لنفسي، إني هسيبه يروح يبلغ الشرطة ويضيع مستقبلي ومستقبل عيالي.. كان لازم يختفي يا سمر. الموت كان الحل الوحيد عشان أعيش أنا.”

في تلك اللحظة، اهتزت ابنتي الصغيرة من الخوف وكادت تتعثر في قطعة حديد خلفنا، مما أصدر صوتاً خفيفاً جداً.

توقف شريف عن الكلام تماماً. تحرك ضوء الكشاف فوراً نحو الزاوية التي نختبئ فيها. بدأ يمشى باتجاهنا بخطوات سريعة ونية واضحة في إنهاء كل شيء الليلة. كنت أسمع دقات قلبي تكاد تخرج من صدري، وأدركتُ أن الاختباء لم يعد مجدياً، وأنه إذا وصل إلينا هنا، فلن يرحم أحداً منا.

نظرتُ حولي بسرعة، لمحتُ لوحاً خشبياً طويلاً ومثبتاً فوق براميل معدنية بجانبنا. بدون تفكير، وبقوة نابعة من غريزة الأمومة والخوف على بناتي، دفعتُ البرميل بكل ما أوتيت من عزم.

سقط البرميل الحديدي الضخم بضجة هائلة، وتدحرج ليصطدم ببراميل أخرى، مما أحدث جلبة وفوضى عارمة قطعت الصمت وأربكت شريف تماماً. تراجع خطوة للخلف وهو يوجه كشافه نحو مصدر الصوت، وفي تلك الأجزاء من الثانية، صرختُ في البنات:

— “اجروا على الباب!! اجروااا!”

خرجنا من خلف الصناديق نركض بأقصى سرعة نحو الباب الجانبي الصغير الذي تركناه موارباً. لمحنا شريف، وجرى خلفنا وهو يصرخ بغضب جنوني: “مش هتمشوا من هنا عايشين!”

اندفعنا عبر الباب إلى الخارج، والمطر الشديد كان يضرب وجوهنا والوحل يعيق حركتنا. لم نلتفت وراءنا، ركضنا باتجاه الشارع الرئيسي حيث تركتُ سائق التاكسي. لكن الصدمة كانت بانتظارنا.. الشارع كان خالياً تماماً، والسائق، يبدو أنه شعر بالخوف من ظلمة المكان ووحشته، فتركنا ورحل!

تسمرتُ في مكاني للحظة واليأس يطبق على أنفاسي، وبناتي يصرخن ويبكين متمسكات بملابسي. التفتُّ خلفي لأرى ظلال شريف وهو يخرج من باب المستودع، ممسكاً بقطعة حديدية بيده، ويسير نحونا بسرعة وعيناه تلمعان بشر مطلق تحت ضوء كشاف الموبايل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *