جوزى وبنتى ٢

بصيت لروحي اللي واقفة برا الباب، وبصيت لمحمود اللي كان بيغني بصوت واطي وهو بيجهز السرداب من جديد، وعرفت إن الدايرة مش هتتقفل أبداً.. وإن هدى
اللي برا، هي الضحېة اللي جاية ل هدى اللي جوا. أغمضت عيني واستسلمت للشمع اللي بدأ يغطي ملامحي، وأنا بسمع ياسين بيقول للست اللي برا اتفضلي يا خالتو.. البيت بيتك.
فتحت هدى اللي واقفة على الباب الشنطة عشان تطلع مناديل تمسح دموعها، وفي اللحظة دي، شفت في عينها لمعة غريبة مكنتش موجودة فيا.. لمعة ذكاء وقوة مش انكسار. فجأة، الست دي ممدتش إيدها تسلم على ياسين، لكنها طلعت من الشنطة مصحف صغير ومبخره قديمة نحاس، وبدأت بصوت جهوري يهز حيطان البيت تقرأ آيات من القرآن الكريم بصوت فيه ثبات يزلزل الأرض.
ياسين اتنفض ورجع لورا وهو پيصرخ صړخة مكتومة، وملامحه بدأت تسيح فعلاً بس مش عشان يبقى شمع، ده كان بيتحلل زي الدخان الأسود. محمود خرج من الأوضة وهو بيحاول يمنعها، لكنه أول ما قرب منها، النور اللي طالع من المصحف اللي في إيدها خلاه يتراجع وهو بيغطي وشه كأن الڼار بتاكل فيه.
أنا مش هدى يا محمود.. وأنا مش الضحېة الجديدة، الست دي قالتها وهي بتدخل البيت بكل ثبات، أنا نورا.. الحفيدة اللي زينب بعتت لها رسالة في أحلامها من سنين، أنا اللي درست وراكم وعرفت إن البيت ده مش محتاج روح، البيت ده محتاج حق يرجع لأصحابه.
فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش عجوزة ولا مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. نورا كملت قراءتها، وفجأة التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتتحول لتراب، ومع كل تمثال بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.
محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى مجرد خيال باهت واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان
ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي بجد خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!
رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. نورا قربت مني وطبطبت على كتفي خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.


