حكايات اسما السيد 1

ابتسم ابتسامة مكسورة وقال: “عشان المكالمات اللي كنت بطلع أرد عليها في البلكونة دي.. كانت مكالمات مع محامين، ومؤسسات طيران، والجهات الأمنية اللي بتابع قضيتي.”

سكت كريم لحظة، وقرب الصندوق منه أكتر، وأخرج ملف أحادي اللون مليان تقارير ورسومات هندسية معقدة. كمل كلامه وقال: “من أربع سنين، وأنا بشتغل في ألمانيا، اكتشفت عيب تصنيعي خطير جداً في شريحة تحكم إلكترونية بتنزل في موديل معين من العربيات الفارهة. العيب ده كان ممكن يسبب حوادث مميتة على السرعات العالية. لما بلّغت إدارة الشركة، حاولوا يلموا الموضوع ويدفعولي مبالغ خرافية عشان أسكت. لما رفضت وتعهدت إني هبلغ هيئات السلامة الدولية.. حياتي اتقلبت جحيم.”

اتسعت عينيا وأنا أسمعه، وهو كمل بحدة: “اتلفقت لي قضايا تسريب أسرار صناعية، واتعرضت لمحاولات اغتيال واختطاف. اضطريت أختفي تماماً، وأغير هويتي أكتر من مرة بمساعدة محامين شرفاء وجهات أمنية، ورجعت مصر واستخبيت في أكتر مكان محدش يدور عليا فيه.. ورشة ميكانيكا بسيطة في حارة في مدينة نصر. الشحم والزيت والهدوم المقطعة كانوا درعي الواقي، المكان الوحيد اللي محدش يتوقع إن مهندس طيران وهندسة عكسية مستهدف دولياً يستخبى فيه.”

دمعة نزلت من عيني من غير ما أحس. افتكرت كل كلمة بابا قالها له، افتكرت نظرات السخرية من قرايبي، افتكرت لما أختي قالتلي “هتمشي جنبه وإيده مليانة زيت؟”. وهو كان شايل الحمل ده كله لوحده، وساكت عشان يحميني ويحمي نفسه.

مسكت إيده بقوة وقلت: “طب وليه حكيت لي دلوقتي؟ وليه اتجوزتني وأنت ظروفك خطر كده؟”

كريم مسك إيدي بالتاني، وعينيه لمعت بالدموع: “اتجوزتك لأني حبيتك بجد يا مريم. أنتي الوحيدة اللي شفتيني إنسان، حبيتي كريم البسيط اللي بيعامل ربنا في شغله، مش المهندس صاحب الملايين ولا الشهرة. أنتي وافقتي تتجوزيني وتدوسي على كلام أهلك والمظاهر الفارغة عشان خاطري.. وده خلكِ أغلى حاجة في حياتي. وأنا حكيت لك النهاردة لسببين.. الأول إنك ليكي الحق تعرفي راجلك مين، والثاني..”

سكت كريم فجأة، وبص ناحية باب الشقة. الصوت كان هادي جداً، بس هو كان مركز كأنه بيسمع حاجة أنا مش سامعاها.

قلت بقلق: “السبب الثاني إيه يا كريم؟”

قفل الصندوق الحديد بسرعة، وأخد المفتاح وحطه في جيبه، وقام وقف بهدوء شديد. قرب من الشباك المطل على الشارع، وبص من ورا الستارة بالحساب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *