اقرب صاحب ليا2

>
الجواب وقع من إيدي. الشهقات خنقتني وأنا مش قادرة أستوعب كمية النقاء والرضا اللي عند البنت دي. هي كانت فاهمة كل حاجة وشايلة السر في قلبها الطيب ومجهزة نفسها للمشي!
وفجأة…
صوت أجهزة العمليات جوه بدأ يصفر بصوت متواصل وعالي جداً.
صوت الصفارة الطويلة اللي معناه حاجة واحدة بس…
القلب وقف تماماً.
الباب اتفتح بلهفة، والدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي الطبي، وشه كأنه شايل هم العالم كله، وبص للترابيزة وقال بنبرة حزينة:
“البقية في حياتكم… قدرنا ننقذ…”
“قدرنا ننقذ التؤام… بس للأسف، مريم قلبها ملمسش تاني.”
الكلمات طلعت من بوق الدكتور زي رصاصة استقرت في نص صدري.
كريم صرخ صرخة هزت المستشفى كلها، صرخة راجل كبر ألف سنة في ثانية واحدة. اتكب على الأرض وهو بيبكي بهستيريا ويخبط في البلاط:
“لا يا مريم… لااااا! أنا أخلفت الوصية… أنا معرفتش أحميكي! سامحيني يا مريم… سامحيني!”
أنا ما نزلتش مني ولا دمعة. اتسمرت في مكاني، عينيا ثابته على باب العمليات اللي خرجت منه الممرضة وهي شايلة الفطيمين، طفلين صغيرين أوي، بيصرخوا بصوت ضعيف يقطع القلب… وصوت أجهزة مريم جوه كان خلاص سكت.
الدنيا اسودت في وشي. أختي… ونفسي… وحبيبتي… البنت النقية اللي عاشت المظلومة وماتت وهي بتسامح الكل… راحت.
مرت الأيام زي الكابوس.
الدفنة… العزاء… ونظرات الناس اللي فيها عطف ومزج بين الشفقة والدهشة. البيت بقى فاضي وبارد، وصوت مناغاة التؤام كان هو الحبل الوحيد اللي رابطنا بالدنيا.
سمينا البنت “مريم” على اسم أختي، والولد “حسام” على اسم بابا… زي ما مريم طلبت في جوابها.
بعد شهر من الوفاة…
كنت قاعدة في أوضة مريم، ماسكة الجواب بتاعها وبقراه للمرة الألف. كريم كان قاعد في الصالة بره، بقى شبح انسان، خس ونحف وما بيتكلمش مع حد، كل حياته بقت متلخصة في التؤام وبس.
وفجأة… جرس الباب رن.
فتحت الباب لقيته عمي “توفيق”… أخو بابا الكبير. الراجل اللي طول عمره مقاطعنا وكان بيغير من بابا ومن نجاحه.
دخل وعينيه بتتفحص البيت بشر ونظرات طمع واضحة. قعد ومسح على دقنه وقال بنبرة خبيثة:
“البقية في حياتك يا سارة… تعيشي وتفتكري. طبعاً إنتي عارفة إن المرحوم حسام ساب ورث كبير، وعشان مريم الله يرحمها ماتت وما سابتش وريث يربطها بالبيت غير التؤام دول… ففي أوراق رسمية لازم تترتب.”





