حكايات صافي هاني3

صوت صرخة الممرضة كان بيرن في أوضة العمليات زي جرس انذار في حريق، والإضاءة البيضا الساطعة فوق السرير كانت تعكس على وجوه الدكاترة اللي اتغيرت ملامحهم في ثانية. المغص كان بيعصر بطني وجنبي بشكل رهيب، كأن في حبل مشدود حولين وسطي وبيتمسخ بقوة، والنقط الدافية اللي بتنزل مني بقت بتزيد بسرعة.
الدكتورة نادية سحبت الجوانتي الطبي في إيدها بصوت فرقعة حاد، ولفت للممرضة وقالت بصوت زي الحديد:
– “اقت/لي القفل الذاتي بتاع باب العمليات فوراً! محدش يدخل الأوضة دي هنا غيري أنا وطاقم التخدير! فاهمة يا سمر؟”
الممرضة جرت على لوحة التحكم وضغطت على الزرار الأحمر، وصوت “تك” تقيل قفل باب العمليات المصفح. وفي نفس اللحظة، سمعنا خبط قوي ومتواصل على الباب الخارجي للعيادة، صوت رجالة بزعيق ونبرة بلطجة متغطية بكلمات قانونية:
– “افتحوا الباب ده! معانا أمر قضائي بنقل المريضة بسمة عبد الرحمن لمستشفى الاستثماري بناءً على طلب ولي أمرها وزوجها الدكتور أحمد منصور! أي تعطيل يعتبر احتجاز غير قانوني وهنكسر الباب!”
أنا كنت نائمة على سرير العمليات، راسي رايحة جاية، الترقب والرعب من اللي بره كان بياكل في أعصابي أكتر من وجع الولادة نفسه. مسكت في طرف الملاية البيضا بكل قوتي لحد ما صوابعي ابْيَضّت، وبصيت للدكتورة نادية وأنا بنهج بصعوبة:
– “دكتورة.. هيدخلوا؟ أحمد مش هيرحمني.. ده باعت بلطجية بمحامي عشان ياخدوني وأنا بين الحياة والموت!”
الدكتورة نادية قربت مني، حطت ماسك الأكسجين على وشي بثبات وقالتلي بصوت هادي بس مليان غضب مكتوم:
– “ما تخافيش يا بسمة. الباب الخارجي مقفول وأجهزة الأمن بتوع العمارة واقفين قصادهم، والشرطة اللي كانت مع أحمد زمانها استوعبت اللعبة أول ما أختك وأهلك يوصلوا. ركزي في ابنك دلوقتي.. نبض الجنين بدأ يقل بسبب الانقباضات، لازم نخرجه فوراً!”
دكتور التخدير جه من ورايا، وبدأ يطهر منطقة الظهر عشان إبرة النصفي.
– “اثبتي يا مدام بسمة.. ما تتحركيش خالص، الشكة دي هي اللي هتخليكي ما تحسيش بوجع الفتح.”
غمضت عيني، وافتكرت كلمة “حماية” تاني.
أحمد كان بيقنعني إن أهلي ما بيحبونيش، إن إخواتي طمعانين فيا، وإن بيتي وأمي هما الأمان الوحيد. كان بيخليني أشوف العالم كله وحوش وهو البطل اللي واقف بيحميني بسيادي.. وفي الحقيقة، هو كان العفريت اللي قافل عليا الشقمة وبيسقيني زنيخ بالراحة في كوباية فضة!
الإبرة دخلت في ظهري، وحسيت بتنميل بارد بيسري في رجلي بالتدريج، كأن نصي التحتاني بينفصل عن جسمي وبيغرق في مية تلمع.
في الوقت ده، الصوت بره كان بيزيد. صوت تكسير خفيف كأن حد بيحاول يفتح الكالون الإلكتروني بأداة حادة، وصوت دكتورة نادية وهي بتتكلم في الميكروفون الداخلي للعيادة الموصول بالبوابة:
– “أستاذ المحامي! المريضة حالياً داخل غرفة العمليات في حالة ولادة قيصرية عاجلة وهتك جدار الرحم! أي اقتحام للمكان يعتبر شروع في ق*تل عمد وهتحاكموا بيه كلكم فوراً، الشرطة في الطريق والنيابة اتأبلغت!”
صوت المحامي جه من بره مكتوم بس واضح:
– “يا دكتورة نادية بلاش تورطي نفسك! موكلي الدكتور أحمد منصور معاه قرار من النيابة الحسبية ومنسق مع مستشفى حكومي لنقلها لأنها غير أهل لاتخاذ قرار طبي! افتحي الباب بالتي هي أحسن بدل ما الأمور تتطور!”
فجأة، صوت جديد وبحّة معروفة جداً بالنسبة ليا ضربت في الممر الخارجي.. صوت أخويا الكبير، إبراهيم!
– “يا ابن المجهزة يا طمعان! إنت مين يلا عشان تجيب بلطجية على أختي في العيادة؟ أبوس إيدك يا إبراهيم أوعى تسيبها!”
قلبي اتنفض في صدري!
إبراهيم! أخي اللي أحمد قنعني أقطعه من سنتين عشان “بيتدخل في حياتنا”!
سمعت صوت خناقة شوارع بره، زعيق، ودربكة كراسي بتتقلب، وصوت إبراهيم وهو بيصرخ:
– “بسمة!! إنتي جوه يا بسمة؟ ما تخافيش يا أختي أنا أهو! قسمًا بالله اللي يلمس الباب ده لأقطعه!”
الدموع نزلت من طرف عيني وغرقت المخدة. كنت غبية.. كنت عمياء لما صدقت أحمد ورميت أهلي بره حياتي عشان أرضيه وأرضي أمه اللي كانت بتديني السّم كل صباح بابتسامة صفرا.
الدكتورة نادية بدأت الشغل، الستارة البيضا اترفت قدام وشي عشان ما أشوفش جرح البطن، ودكتور التخدير كان بيراقب شاشة النبض والضغط.
– “الضغط مضبوط يا دكتورة.. توكلي على الله وابدأي.”
حسيت بشد وضغط خفيف في بطني، من غير وجع، بس الشعور بالحركة جوه جسمي كان يرعب. كنت حاسة كأن في معركة بتدور في أحشائي، ابن في الشهر السابع بيحاول يخرج للدنيا قبل وقته لأن المية هربت من حواليه والسموم كانت بتتقاطر على مشيمته.
الدكتورة نادية كانت بتشتغل بسرعة ودقة، وبصت لدكتور الأطفال اللي كان واقف جنب حضانة متنقلة ومجهز أجهزة الشفط والتنفس الصناعي.
– “الولد نازل بعسر يا أحمد.. المشيمة متليفة بشكل جزئي بسبب المادة الكيميائية! هات لي المشرط الناعم بسرعة!”
صوت الخناقة بره كان لسه شغال، بس بدا يدخل فيه صوت سيرينات شرطة كتير جداً، المرة دي مش عربية واحدة.. دي كانت قوة كاملة جاية من المديرية!
الدكتورة نادية رفعت راسها ثانية وقالت بابتسامة أمل صغيرة تحت الماسك:
– “البلاغ بتاع المعمل أشتغل.. هدى لما اتثبتت في الشارع، كرت نمرة العربية للنجدة، والشرطة جابت العربية ورجعت الشنطة بالعينات! أحمد طار يا بسمة!”
جسمي كله اتنفض من الفرحة والخوف في نفس اللحظة.
العينات رجعت! يعني كذبة “المرض النفسي” والهلاوس اللي أحمد كتبها في التقارير المضروبة اتفركت! يعني البصمات والمادة اللي في الكوباية الفضة اللي حماتي كانت ماسكاها بتبتسم بيها قدام الكاميرا بقت حرز رسمي في النيابة!
فجأة.. سمعت صوت صرخة صغيرة، ضعيفة، مكتومة، زي صرخة كتاكوت مبلول في البرد.
“عاء… عاء…”
الدكتورة نادية رفعت الولد فوق الستارة البيضا ثانية واحدة قبل ما تديه لدكتور الأطفال.
كان صغير جداً، أحمر، وشه مليان مية زلالية، وإيديه الصغيرين مقفولين بقوة كأنه كان بيمسك في الحياة جوه بطني بكل حيله.
– “مبروك يا بسمة.. ولد، بس محتاج يدخل الحضانة فوراً لأن رئته لسه ما اكتملتش.”
دكتور الأطفال أخد الولد بسرعة وركّبله ماسك أكسجين صغير جداً وحطه في الحضانة المتنقلة، وأنا عيني ما فارقتش العيل اللي طالع من بين الموت والسم.
– “سميه يا بسمة..” الدكتورة نادية قالت وهي بتقفل الجرح ب stitches دقيقة.
– “يحيى..” قلت بصوت متقطع وناشف: “سميته يحيى.. عشان يعيش.”
في اللحظة دي، باب العيادة الخارجي اتكسر أو اتفتح بقوة، وصوت ظابط الشرطة كان بيجلجل في الممر:
– “ثبت يدك أنت وهو! ألمس الأرض يا روح أمك أنت وهو! حرزوا الأوراق اللي مع المحامي ده فوراً! واقبضوا على الدكتور أحمد منصور وأمه في المستشفى، التحليل المبدئي أثبت وجود مادة سمية منوعة في العينات!”
سمعت صوت كلابشات الحديد بتتكتك بره. أحمد اللي كان فاكر نفسه أذكى دكتور في مصر، اللي كان بيخطط ياخد أملاكي وبيتي ويعيش مع أمه بعد ما يدفنّي في مستشفى المجانين أو يق*تلني بإجهاض مسموم.. اتكلبش!
باب أوضة العمليات اتفتح ببطء بعد ما الدكتورة نادية خلصت التقفيل وطهرت الجرح.
دخل إبراهيم أخويا، وشه مليان عرق وهدومه متقطعة من الخناقة، بس عينيه كانت مليانة دموع وشوق.
أول ما شافني نائمة على السرير والحضانة جنمبي، جرى عليا ووطى على إيدي وباسها وهو بيبكي زي الأطفال:
– “سامحيني يا بسمة.. سامحيني إني سبتك للجزمة ده السنتين اللي فاتوا! والله ما كنت اعرف إنه عامل فيكي كدة! كان بيقفل عليكي الباب ويقولنا هي مش عايزة تشوف حد!”
مسكت في إيد إبراهيم بصوابعي الخدرانة وقلتله وأنا بدمع:
– “أنا اللي أسفة يا إبراهيم.. أنا اللي صدقت كلمة (حماية) لحد ما كانت هتق*تلني وهتق*تل ابني.. الحمد لله إنك جيت يا أخويا.”
الدكتورة نادية قربت من إبراهيم وقالتله بجدية:
– “أستاذ إبراهيم، الولد لازم يتحرك فوراً في عربية إسعاف مجهزة مرافقة لطبيب أطفال على الحضانة المركزية في المستشفى الجامعي. والمدام لازم تتنقل برضه لمستشفى أمن عشان تتابع الجرح والأدلة الجنائية هتيجي تاخد أقوالها رسميًا في النيابة.”
إبراهيم هز رأسه بسرعة:
– “كل حاجة جاهزة يا دكتورة، عربيات الإسعاف تحت والشرطة مأمنة الطريق كله. المحامي بتاعنا نازل دلوقتي القسم عشان يتابع البلاغ وياخد صور التقارير.”
بعد نص ساعة، كنت راكبة عربية الإسعاف، نايمة على التروللي، وإبراهيم قاعد جنبي ماسك إيدي، والحضانة بتاعة يحيى قدام عيني، صوته الضئيل المنتظم وهو بيتأنفح في الأكسجين كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي.
وصلنا المستشفى الجامعي، ودخلت غرفة خاصة تحت حراسة شرطة. الأمن كان واقف على الباب عشان يمنع أي حد من طرف أحمد أو أمه إنه يقرب.
تاني يوم الصبح، النور كان داخل من شباك الأوضة دافي ونظيف. الجرح كان بيوجعني بس كان وجع محتمل، وجع بيأكدلي إني لسه حية، إني خرجت من القفص الحديد اللي أحمد كان حابسني فيه.
الدكتورة نادية دخلت عليا ومعاها وكيل النيابة، راجل صغير في السن بس ملامحه حادة وعينيه فاهمة.
– “حمد الله على السلامة يا مدام بسمة.. أنا وكيل النيابة المحقق في القض/ية رقم 4052. جاي أسمع أقوالك بنفسي، وأبلغك بالتطورات.”
سندت نفسي بالراحة على المخدة وقلت بصوت أهدى وأقوى من الأيام اللي فاتت:
– “اتفضل يا حضرة وكيل النيابة.. أنا جاهزة أقول كل حاجة من أول يوم اتجوزت فيه أحمد لحد اللحظة اللي الكوباية الفضة نزلت فيها نقطة السم على بلاط العيادة.”
وكيل النيابة فتح المحضر، وبدأ يكتب، وقبل ما يسأل، قال:
– “تحليل الطب الشرعي للعينات والكوباية الفضة طلع النهاردة الفجر. المادة اللي كانت بتتحطلك في المشروب كل يوم هي مادة (الديجوكسين) بجرعات متزايدة، بالإضافة لمادة تثبيط مناعة حادة. المادة دي لو كانت استمرت يومين كمان، كانت هتسبب توقف مفاجئ لقلبك وأنتِ بتولدي، ويبان طبيعي جدًا كجلطة حمل!”
جسمي اقشعر من كلامه. كنت على بعد أربع وأربعين ساعة بس من الموت!
وكيل النيابة كمل:
– “وفوق ده كله.. فتشنا بيته، ولقينا وصية مزورة بتبصيمك أنتِ وأنتِ مخدّرة، بتتنزلي فيها عن الشقة وأرض ورثك عن والدك لصالح أحمد وأمه في حالة وفاتك أو إصابتك بعجز عقلي. والشهود اللي مضوا على الوصية هما أصحابه الدكاترة اللي كانوا بيساعدوه في التقارير المضروبة.”
بصيت للشباك، للسمس والشارع.. وشفت أحمد وأمه وهما بيلبسوا الكلبشات في مخيلتي. اللعبة المريضة انتهت، والبيت اللي كانوا عايزين يسرقوه بدمي ودم ابني بقى هو السجن اللي هيدخلوا فيه بقية عمرهم.
وكيل النيابة قفل المحضر وقال:
– “أحمد وأمه متهمين رسمياً بالشروع في القت*ل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية، والتآمر الطبي. القض/ية مقفولة تماماً ضدهم يا مدام، وأنتِ وابنك في أمان تام.”
بعد ما وكيل النيابة خرج، إبراهيم دخل ومعه ممرضة شايلة يحيى بعد ما حالته استقرت واستغنى عن جهاز التنفس الصناعي بشكل مبدئي.
الممرضة حطت الولد في حضني.
لأول مرة ألمس جِنده الصغير الصافي، لأول مرة أشم ريحته من غير خوف، من غير ما أسأل نفسي يا ترى هيعيش ولا أحمد هيقت*له؟
بصيت لوشه الصغير، وابتسمت والدموع في عيني.
– “خلاص يا يحيى.. محدش هيقدر يئذينا تاني.. حمايتنا الحقيقية بقت من ربنا ومن أهلك اللي بيحبوكي بجد.”
لكن في نفس اللحظة اللي كنت بضم فيها يحيى لصدري، إبراهيم تليفونه رن.
بص في الشاشة ووشه اتغير تماماً، أخد خطوتين لورا ورد بصوت واطي:
– “أيوة يا أستاذ سامح المحامي.. في إيه؟”
سمعت صوت المحامي طالع من التليفون، صوت حاد ومذعور:
– “إبراهيم! انتبهوا كويس في المستشفى! أحمد هرب من المستشفى الاستثماري وهو بيتأمن قبل ما يترحل للنيابة! وفي حد شاف أمه وهي بتشتري تذاكر سفر لبلد نائية ومعاها الشنطة الأوراق الأصلية للبيت!”
قلبي وقف.. يحيى بدأ يعيط في حضني كأنه حاسس بالخطر اللي رجع يرفرف فوقينا تاني..
أحمد هرب!
والكابوس لسه ما انتهيش..
… يتبع في الجزء الخامس …


